امى انت السبب 2

الناقل : heba | الكاتب الأصلى : اسلام شرابى | المصدر : www.lahaonline.com

قد نحسب إن عنفناهم أو قسونا عليهم، فإننا بذلك نحسن تربيتهم ونضمن نشأتهم، إلا أن الواقع يقول غير ذلك..

لأن العنف الذي نمارسه ضد أبنائنا وهم صغار، لا يمر مرور الكرام بهم، كما نحسب، وإنما يخلف وراءه الكثير من الذكريات المؤلمة، وشرخاً قد لا يكون بسيطاً في العلاقة العاطفية بيننا وبينهم.. وهذا بالتالي سيفضي إلى نتائج لا نتوقعها نحن الآباء ولا نتمناها أبداً.. عقوق قد نحاسبهم عليه رغم أننا في حقيقة الأمر السبب فيه  

 

انعكاس العنف على بناتنا

يرى الأخصائيون النفسيون أن ممارسة العنف على أبنائنا وفتياتنا تخلف انعكاسات تختلف من شخصية إلى أخرى، ولكن في معظم الحالات فإن الضحية يصبح فردا ذا شخصية محطمة، إذ أن القسوة والشدة في معاملة الأبناء  تؤدى إلى ظهور الشخصية الوسواسة والضعيفة التي تلتزم بالنظام والمظاهر وتفتقر إلى المشاعر الحساسة الدافئة وتقدير الذات وتعاني من الفراغ العاطفي.بالإضافة إلى أن العنف يؤدي إلى قتل الموهبة والإبداع، وقتل روح التعاون الجماعي في مراحل الدراسة والحياة العملية، وعدم القدرة على التكيف في المحيط الاجتماعي بسبب الخوف المرعب أو الخجل الوهمي.

 

كما يحكي الواقع قصصاً نتجت عن حالة عدم التوافق النفسي للفتاة مع أمها والتي أدت إلى بحث الفتاة عن أم بديلة، قد لا تحسن الابنة اختيارها، وقد تصاب بإحباطات كثيرة تؤدي إلي الاكتئاب، نتيجة للحرمان العاطفي أو إصابتها بأمراض نفسية جسمانية مثل: الربو والأمراض الجلدية والتوتر المستمر وأمراض القولون العصبي.

كما وقد حدث أن أدى ذلك إلى هروب بعض الفتيات من منزلهن وتعاطيهن المخدرات أو انحرافهن أخلاقيًا، حيث أصبح لديهن دوافع عدوانية تجاه أنفسهن والآخرين، وهذا كله يجعلهن يصبحن شخصيات  غير سوية في المجتمع.وتشير إحصائية أمريكية إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للعنف غالبا ما يكون لديهم استعداد لممارسة العنف ذاته ضد أنفسهم أو ضد الآخرين، إضافة إلى حدوث حالات الانتحار والاكتئاب والإجرام والانحراف.

 

وكلها مؤشرات لعدم المقدرة على التعامل مع المجتمع، بسبب تدهور المهارات الذهنية من مستوى الذكاء إلى التدهور الدراسي، ومشكلات كبيرة تحصل بعد الارتباط بالآخر لتكوين أسرة، والسبب في ذلك أن هؤلاء الضحايا يعانون من حالة مرضية نفسية سببها أن الذكريات وصور العنف التي تعرضوا لها حية في ذاكرتهم، مما يسبب لهم حالة من الخوف المستمر يترتب عليه عدم الثقة بالنفس وبالآخرين.

 

وقد أشارت بعض الدراسات السلوكية إلى أن بعض نزلاء السجون في العالم  والمدمنين وشديدي الاكتئاب هم ضحايا الإيذاء في طفولتهم.إن إيذاء الطفولة له آثار مدمرة في المستقبل على شخصية الطفل، ويؤدى إلى انحرافه سلوكيا,فيرتكب أخطاء فادحة نحو نفسه والآخرين, بصورة انتقام لنفسه ضد المجتمع, ويصبح عدوانيا ضد الآخرين, بإيذائهم أو سلب ممتلكاتهم أو يتجه للعزلة أو فقدان الثقة في نفسه، أو التلعثم الشديد أمام الآخرين، أو اضطرابات في النوم أو إصابته بالهستريا والمخاوف المرضية , والقلق والوسواس القهري بأنواعه.وطبعاً كل ذلك يؤدي إلى خلق الرغبة لديه بالانتقام من الذي سبب له هذا الأذى وممن مارس عليه هذا العنف، والذي يتجسد بشكل واضح في ردة فعل الأبناء حيال آبائهم عندما تنقلب الأمور ويصبح القوي ضعيفاً والضعيف قوياً..

 

من السبب في هذا العقوق؟

عندما يتذمر الوالدين من عقوق الأولاد لهما، يجب أولاً أن يسألا أنفسهما.. هل  أديا  أمـانة تربية أولادهما  كاملة وبكل حنان ورعاية ؟

إن قسوة الآباء وراء عقوق الأبناء، والتربية الحسنة طريق البر بالوالدين.. وللأسف أن  بعض الآباء يسهم في صناعة العقوق، وفي حرمان أنفسهم من حنان الابن وبر الولد، فهذا دليل واضح على أن ثمة خطأ في أسلوب التربية وواقع الحياة الاجتماعية، ومن ثم يلوم الأب ابنه أو تلوم الأم ابنتها، وينسيان ما لا يمكن لأبنائهما أن ينسياه، خاصة إذا خلفا في أجسادهم ما يجعلهم يتذكرون تلك الممارسات العنيفة التي ارتكبت في حقهم.

 

ويرى الدكتور رشاد عبد اللطيف - عميد كلية الخدمة الاجتماعية في جامعة حلوان أن نقطة البدء في عقوق الولد لوالده قد تبدأ من الأب، وممارسة العنف  قد تولد في نفسية الأولاد القسوة وردة الفعل والرغبة المكبوتة في الانتقام، وعندما يجد الولد الفرصة مواتية يمارس العقوق بشكل بارز ممقوت!

وحتى يحافظ الآباء على بر أولاده، يجب ألا يحرجوا الأبناء والبنات اجتماعيا، أي ألا يحقروهم أمام الآخرين أو يسفهوا آراءهم، أيضا يجب ألا ينمي الآباء معاني الأنانية والقسوة في قلوب الأبناء عن طريق اختصاص البعض بمعاملة خاصة أو لباس خاص أو نوعية معينة من الأكل، أو عن طريق إتاحة الفرصة لأحد الأبناء ليقسو على إخوانه أو يخاصمهم لفترات معينة، فمثل هذه السلوكيات تولد في الصغير الرغبة في عقوق الآباء والقسوة على الآخرين، ولذا فإن معاني المساواة والعدل بين الأبناء يجب أن تسود حتى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن نعدل بين الأبناء حتى في "القبل" وذلك تفاديا لردة الفعل النفسية التي تظهر عقوقا قاسيا فيما بعد.

 

ويشدد الشيخ محمود عاشور - وكيل الأزهر السابق - على مسؤولية الآباء عن تفادي دفع أولادهم إلى العقوق وهو المعنى الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: ]رحم الله والدا أعان ولده على بره[.

كما أن  حسن التربية من الأمور الجوهرية والمهمة، فعدم العقوق دليل على كمال التربية من الأب، وإن وقع العقوق فهذا فيه إشارة إلى نقص التربية من الأب فضلاً عن سوء الولد في ذاته، ولذلك شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على أن أعظم شيء يمكن أن يمنحه الوالد لولده هو حسن الخلق، وليس كثرة المال أو المنصب وفي الحديث: ]أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم[.

 

ويضيف الشيخ عاشور: إن حسن الأدب يشمل كل شيء جميل يضيفه الأب لولده في خلقه وعلمه وعمله ولباسه.. وهذا المعنى واضح في الواقعة المشهورة عندما جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو عقوق ابنه، فأنب عمر الولد على عقوقه لوالده، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه ويعلمه الكتاب، قال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جُعلا (خنفساء) ولم يعلمني من الكتاب حرفاً!فقال عمر للوالد: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

 

ومن مظاهر الاعتدال أيضاً العدل المطلق كما الحديث: "اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم". والعدل حتى في توزيع الأكل على الأولاد فعن عائشة رضي الله عنها أن امرأة جاءت إليها فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت المرأة كل صبي تمرة وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين ونظرا إلى أمهما، فعمدت الأم إلى التمرة فشقتها فأعطت كل صبي نصف تمرة، فجاء النبي فأخبرته عائشة فقال عليه السلام: "وما يعجبك من ذلك، لقد رحمها الله برحمتها صبييها".

 

كذلك أمر الرسول بالعدل بين الأولاد في القُبَل، إذن فحسن التربية والاعتدال في العقوبة والإنفاق يحمي الوالد من عقوق الولد.وصدق المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، عندما وضع أهم معايير الأمانة وأرسى قواعد التربية الحقيقية التي للأسف يفتقدها الكثير ـ قال عليه الصلاة والسلام:

]كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..... الأب راع ومسؤول عن رعيته ... والأم راعية ومسؤولة في بيتها[.

هنا يكمن العلاج

العلاج يكون بالتربية المبنية على قواعد وأساسات سليمة، وعن ذلك تقول   الدكتورة رقية المحارب: إن  الحنان الأسري والإشباع العاطفي حين الطفولة من حق أولادنا، وإذا راهقوا فهم أشد حاجة إليه، ويجب إيصاله لهم بطرق مختلفة. بالإضافة إلى فتح باب الحوار مع الشباب، والإجابة على أسئلتهم بكل شمول على أن يكون ذلك بهدوء وتعقل واحتواءهم بكل ما تعنيه هذه الكلمات.احترام مشاعر الأولاد وتقدير كل مرحلة عمرية يمرون بها، وإعطاؤها حقها من جميع النواحي قدر الإمكان، الناحية العقلية والاجتماعية والنفسية، ومحاولة سد حاجتهم فيها..

 

 التقرب إليهم، والتودد لهم، وملاطفتهم،  احترام علاقاتهم، واختيار الصحبة لهم منذ الصغر بإحسان انتقاء الحي والمدرسة، الابتعاد كل الابتعاد عن الاستخفاف والاستهزاء والتحقير... الثناء عليهم أمام الآخرين، لما في ذلك من رفع لمعنوياتهم والإحساس بقيمتهم.  محاولة جذبهم واتخاذهم أصدقاء، ومصارحتهم، والاستماع لحديثهم والإنصات له، وتوجيههم دون إشعارهم باللوم والتأنيب، وعدم إفشاء أسرارهم بعد المصارحة الإكثار من الدعاء لهم دائما بحضورهم وفي غيابهم.

 

عدم كتمان المشاعر الأبوية عنهم؛ لما في ذلك من سعادة لهم ورفع لمعنوياتهم.  العطف عليهم دائما، خاصة عند المرض، إعطاؤهم الهدايا التي تناسبهم في مراحلهم العمرية، وما يتناسب مع ميولهم واتجاهاتهم. وترى د. مديحة الصفتي  "أستاذة علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية"  أن الفتاة في جميع مراحل حياتها تتأثر بوالدتها إذ إنها تحاكيها في كل شيء وتعتبرها مرجعيتها في جميع شؤونها وخصوصياتها هذا بصفة عامة، أما مرحلة المراهقة تحديدًا فهي مرحلة حرجة، وبالتالي فإن علاقتها بأمها يجب أن تكون دائمًا حذرة ومتوازنة أي تكون أسس التعامل فيها صحيحة بمعني أن تدرك الأم خطورة المرحلة التي تمر بها ابنتها وتراقبها بدون أن تشعرها بذلك، وإن وجدت خطأ فيمكن معالجته بطريقة الإيحاء غير المباشر، أو بضرب المثل والقدوة حتى لا تجنح الفتاة، وينبغي أن تعتمد الأم منهج الصراحة والمكاشفة مع ابنتها.

 

وتحذر د. فاطمة الأم من انشغالها عن الأبناء، والطباع الحادة التي تخلو من العاطفة، والتفرقة بين الأبناء، أو الغيرة المرضية بين الأم وابنتها، والعنف مع الأبناء أو كثرة الخلافات الزوجية أمامهم؛ لأن كل ذلك يحول دون تكوين علاقة صداقة وحب وتفاهم بينهما، إذ أن  فترة المراهقة فترة حرجة يشعر فيها المراهق بالحزن والكآبة والرغبة في التمرد والتغيير، فإذا كانت الأم متفهمة وقريبة من ابنتها مرت هذه المرحلة بسلام، وإن كانت بعيدة عن ابنتها وقاسية، ستتحول العلاقة بينهما إلي حرب وصراع وقد تفقد كل منهما الأخرى.