نظيف.. والمصريون.. والرصيف

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : د.وحيد عبدالمجيد | المصدر : www.almasry-alyoum.com

رئيس الوزراء د.أحمد نظيف ليس قلقاً من الوقفات الاحتجاجية التى يعبر فيها فئات من المصريين عن مطالبهم على الرصيف المواجه لمكتبه، فهو يظن أنهم يمثلون أقلية صغيرة فى مقابل أغلبية تنجح حكومته دائماً فى حل مشاكلهم، ولكنه فى الوقت نفسه يتحدث عن وجود مزاج سيئ فى المجتمع، وقد نُقل عنه حديثه هذا مرات، آخرها فى لقائه مع رؤساء تحرير الصحف القومية فى ٤ مايو الجارى.
وهو يحاول أن يجد حلاً لهذا التناقض بين اطمئنانه إلى أن احتجاجات المصريين تعبر عن أقلية وقلقه من مزاج عام سيئ، والحل عنده هو تحميل الإعلام الخاص والحزبى المسؤولية عن هذا المزاج (نقل عنه الزميل كرم جبر هذا الكلام بوضوح فى تعليقه على لقاء ٤ مايو).
ولكن هذا الحل السهل جدا لا يحل أى شىء. ولعل د. نظيف لم يستمع إلى ما قاله د. حسام بدراوى القيادى فى حزب حكومته فى اجتماع المجلس الأعلى للسياسات قبل ٣ أيام فقط على لقائه مع رؤساء تحرير الصحف القومية.
قال أحد أبرز الإصلاحيين فى الحزب الوطنى ما معناه أنه حين يقف الناس فى الشارع، رغم الحديث عن الإنجازات، فهذا يعنى وجود مشكلة يجب تشخيصها وحلها.
وهناك، بالقطع، مشاكل وليس مشكلة واحدة. وإحدى هذه المشاكل هى أن د.نظيف لم يعمل بالسياسة طول حياته. وهذا هو أحد أسباب إغفاله مغزى ازدياد الاحتجاجات وتوسع نطاقها فى أنحاء البلاد وليس فقط فى القاهرة. فما يحدث فى الشارع لا يدركه إلا من يعرف هذا الشارع، أو كانت له به علاقة فى يوم ما. ولذلك يخفى عليه ما تحتاج معرفته إلى حس سياسى واحتكاك أو على الأقل تماس مع الشارع.
وبالرغم من أن د.نظيف قد يكون الأكثر تأهيلا بين التكنوقراط الذين توافدوا على الحكومة المصرية خلال العقود الأخيرة، فهو لم يمارس عملا سياسيا من قبل على أى صعيد. ويعرف من يعملون بالسياسة أن المزاج العام، الذى تحدده معطيات الواقع، يتأثر أيضا بمدى وضوح صورة المستقبل أو غموضها. ولذلك يساهم القلق المتزايد الناتج عن غموض صورة المستقبل القريب فى تشكيل المزاج العام، إلى جانب عدم ثقة الناس فى السياسات الحكومية.
وهذا هو مصدر المزاج القاتم فى مصر. ولا سبيل إلى وضع حد لهذا المزاج بدون مراجعة السياسات العامة وخلق أمل فى المستقبل. ولا يمكن إيجاد مثل هذا الأمل بدون إصلاح يحرر المجتمع ويطلق الطاقات المحتجزة فيه. ومن الصعب أن يحدث ذلك بدون سياسات يشارك الناس فى تحديد اتجاهاتها أو يشعرون بأنهم مشاركون فى صنعها، وبغير إدارة عامة أكثر نظافة وإنجازا، وبلا رؤية واضحة للأولويات كما للآليات.
وهذه العلاقة بين الواقع والمستقبل القريب وأثرها فى تشكيل المزاج العام لا يعرفها إلا من مارسوا عملا سياسيا، ولو فى الجامعة، ونزلوا إلى الشارع أو على الأقل اقتربوا منه بدرجة أو بأخرى.