الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : أ / مصطفى دياب | المصدر : www.anasalafy.com

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أما بعد:

فإن تربية الأجيال من أهم وأخطر ما تحتاج إليه الأمة الإسلامية والصحوة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها، وإن أمة بلا أجيال تتربى على المنهج القويم لهى أمة ضائعة بلا مستقبل، ولذا فقد كان من أهم ما تبذل فيه الحياة وتنفق فيه الأوقات وتهتم به الدعيات هو الجانب التربوي في الدعوة، فيه يتجدد نشاطها وتطيب ثمرتها، فبالتربية تصح العقائد وتعمق المفاهيم الصحيحة وتغرس الأخلاق النبيلة وينشأ الصغار على ما درج عليه سلف الأمة، وهل قامت دولة الإسلام إلا بتربية الصحابة الكرام على يد المربى الأول صلى الله عليه وسلم. فقد كان أكبر همه تربية الجيل الأول بدار الأرقم بالقيام والصيام وتلاوة القرآن، فما أحوج المسلمين في هذا الواقع الأليم إلى تلمس خطى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التربية ودراسة أخلاق مؤهلات الجيل الأول الذي رباه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإعداد المنهج التربوي القائم على العلم والعمل ـ التطبيق العملي ـ حتى يخرج هذا المنهج من السطور إلى الصدور ومن الصدور إلى الدور فيصير واقعاً عملياً يقصد به تربية جيل على نمط السلف الكرام ـ الجيل الأول ـ.

قال الإمام مالك: "لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولها".

وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف.

 

أخي المربي الكريم

إن التربية ليست مهمة الدعاة والمصلحين فقط، بل هي في المقام الأول مهمة كل راعى فيما استرعاه الله، مهمة الآباء في أبنائهم وأهليهم، ولأهمية تلك التربية أنزل الله أية تتلى في المحاريب قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: 6)، ووقاية الأنفس بإلزامها أمر الله والقيام بأمره امتثالاً وبنهيه اجتناباً، ووقاية الأهل والأولاد بتأديبهم وتعليمهم أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر الله به في نفسه وفيمن تحت ولايته من الزوجات والأولاد. قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" (رواه النسائي)، وذكر الراغب الأصبهاني أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أميه يقول لهم: "ما أشد ما مر بكم في الحبس؟" فقالوا: "ما فقدنا من تربيه أولادنا".

 

الوالد الفاضل والمربي الحبيب

ما أحوجنا إلى الحوار التربوي الواعي البناء، واللقاء الأسرى الدافئ بيننا وبين من نربيه، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13)، فتربية الأبناء على العقيدة الصافية والعبادة والأخلاق السامية والمعاملات والسلوك الإسلامي لهى غاية نسعى إليها حتى يخرج لنا جيل رباني يعبد ربه ويطيع أمره مهما كانت الصعاب.

وإليك هذا النموذج الفريد في عمق الإيمان وطاعة الرحمن (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات: 102)، هذا النموذج الطائع البار بوالديه الواثق بربه تبارك وتعالى كيف تربى؟ وعلى أي منهج كان هداه؟ ومن رباه؟

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127)، هكذا تربى هذا الغلام الموحد على المنهج الرباني وعلى يد هذا المربى الحليم المنيب حتى أصبح رمزاً للعقيدة الصافية والوفاء لدين الله تبارك وتعالى.

أيها الوالد ... أيها المربى

أنت بلا ولد ... تطلب الولد!! ، وإذا رزقت الولد تهمل تربيته: فلماذا إذاً الولد (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) (آل عمران: 38) ذرية طيبة: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (رواه مسلم). فاحرص على أن ينشأ ولدك أو من تربيه على الإسلام، ولا تمل ولا تيأس، ولا تعتذر عن دورك لكثرة مشاغلك أو كثرة من يهدم وقلة من يبنى أو بالمثيرات والمؤثرات السلبية في حياتنا، لعل ولداً من بين يديك يكون أمة أو يهدى الله به أمة، أو يكون واحداً ممن يعيدون للأمة مجدها التليد وعزها السليب، ولا يكون ذلك إلا على أيدي العلماء الربانين العاملين، وأبشر فإن المستقبل لهذا الدين.

(فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) (يونس: 83).

وبهذه الذرية كان النصر، بهذا النشء الجديد كان التمكين للدين.