وقفات في الصدق

الناقل : heba | الكاتب الأصلى : سلطان بن فهد الطبيشي | المصدر : www.midad.me

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هذه وقفات في الصدق، ننظر فيها لسبيل الصادقين، وأحوال المؤمنين. فما أحوجنا إلى الوقوف على عيوب أنفسنا، وقصورها في جانب الصدق، هذا الجانب المهم الذي ظهر ضعف الناس فيه، وانتشر فيهم خلافه، فأحببت أن أجمع فيه ما كتب الله؛ لنقف معه بعض هذه الوقفات.

وما أحسن ما قيل في ذلك:

عليك بالصدق ولو أنه   ***  أحرقك الصدق بنار الوعيد

وابغ رضا المولى فأغبى الورى  ***  من أسخط المولى وأرضى العبيد

 

الوقفة الأولى:

الصدق هو: نقيض الكذب، ومطابقته للواقع. ومنه رجل صدوق أبلغ من الصادق، و المُصَدِّق: الذي يصدقك في حديثك، و الصِدِّيق: الدائم التصديق ويكون الذي يصدق قوله بالعمل، وفي التنزيل {وأمه صديقة} المائدة: 75} أي مبالغة في الصدق(1).

وهو عنوان الإسلام، وميزان الإيمان، وأساس الدين، وعلامة على كمال المتصف به، وله المقام الأعلى في الدين والدنيا، وبه تميز أهل الإيمان من أهل النفاق، وسكان الجنان من أهل النيران. وبه يصل العبد إلى منازل الأبرار، وبه تحصل النجاة من النار.

وقد وُصِف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصادق الأمين، وهذا ما عرفته قريش منه قبل البعثة، ووصف يوسف - عليه السلام - بذلك أيضاً {يوسف أيها الصديق} يوسف: 46}، ووصف به أيضاً خليفة رسول الله أبو بكر الصديق، مما يدلل ما للصدق من أهمية في حياة الأنبياء وأتباعهم؛ لذا فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي: كمال الانقياد للرسول، مع كمال الإخلاص للمرسل.

قال ابن كثير: الصدق خصلة محمودة؛ ولهذا كان بعض الصحابة - رضي الله عنهم - لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية، ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا(2).

 

الوقفة الثانية:

 ورد الصدق في القرآن الكريم في عدة آيات فيها حث على الصدق، وكونه ثمرة الإخلاص والتقوى، فمنها:

1- قوله - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} التوبة: 119} أي: كونوا مع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق وأعمالهم وأحوالهم لا تكون إلا صدقاً خالية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة(3).

2- وقوله - تعالى -: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم }الأحزاب: 24} أي بسبب صدقهم في أقوالهم وأحوالهم، ومعاملتهم مع الله، واستواء ظاهرهم وباطنهم(4).

3- وقال الله - تعالى -: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا} المائدة: 119} أي أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة، وأن العبد لا ينفعه يوم القيامة ولا ينجيه من عذابه إلاّ الصدق.

4- وقال - تعالى -: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} يونس: 2} أي إيماناً صادقاً بأن لهم جزاء موفور، وثواب مدخور عند ربهم بما قدموه وأسلفوه من الأعمال الصالحة الصادقة(5).

وقال ابن عباس قدم صدق منزل صدق، دليله قوله - تعالى -: {وقل رب أدخلني مدخل صدق}الإسراء: 80} وعنه أيضاً: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالهم(6).

5- وقال - تعالى -: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون}الزمر: 33}.

قال ابن القيم: فلا يكفي صدقك بل لا بد من صدقك وتصديقك للصادقين؛ فكثير من الناس يصدق، ولكن يمنعه من التصديق كبر أو حسد أو غير ذلك(7).

6- ووصف الله نفسه به فقال - سبحانه -: {قل صدق الله} آل عمران: 95} وقال - سبحانه -: {ومن أصدق من الله حديثا} النساء: 87}.

7- وقد قال - تعالى -: {قدم صدق} يونس: 2}، وقال أيضاً: {لسان صدق} مريم: 50} وقال أيضاً: {مقعد صدق} القمر: 55}، وقال أيضاً: {مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} الإسراء: 80}.

قال الله - تعالى -: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم}يونس: 2} قال ابن عباس (قدم صدق): منزل صدق بما قدموا من أعمالهم.

وقال - تعالى -: {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} مريم: 50} فعن ابن عباس في قوله - تعالى -: {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} مريم: 50} قال: الثناء الحسن.

وقال - تعالى -: {إن المتقين في جنات ونهر 54 في مقعد صدق} {54، 55} أي: مجلس حق لا لغو فيه، ولا تأثيم وهو الجنة(8).

وقوله: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} الإسراء: 80} أي: اجعل مداخلي ومخارجي كلها في طاعتك، وعلى مرضاتك وذلك لتضمنها الإخلاص وموافقتها الأمر(9).

قال ابن القيم: فهذه خمسة أشياء: (مدخل الصدق)، و(مخرج الصدق)، و(لسان الصدق)، و(قدم الصدق)، و(مقعد الصدق) وحقيقة الصدق في هذه الأشياء هو: الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله، وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال، وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة ف(مدخل الصدق، ومخرج الصدق) أن يكون دخوله وخروجه حقاً ثابتاً بالله وفي مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر ومخرج الصدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة، وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدق بالله، ولله وابتغاء مرضاة الله فاتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله، ولا لله بل كان محادة لله ورسوله؛ فلم يتصل به إلاّ الخذلان والبوار، وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب أصابه معهم ما أصابهم فكل مدخل معهم، ومخرج كان بالله ولله وصاحبه ضامن على الله فهو مدخل صدق ومخرج صدق، وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجاً لا أكون فيه ضامناً عليك يريد أن لا يكون المخرج مخرج صدق، ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه بخروجه من مكة ودخوله المدينة، ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل فإن هذا المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه وإلاّ فمداخله كلها مداخل صدق ومخارجه مخارج صدق إذ هي لله وبالله وبأمره ولابتغاء مرضاته وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو مدخلاً آخر إلا بصدق أو بكذب فمخرج كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق والكذب(10).

 

الوقفة الثالثة:

 ورد في السنة أحاديث كثيرة في فضل الصدق منها:

1- عن ابن مسعود - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). رواه البخاري ومسلم(11).

قال المناوي في شرحه لهذا الحديث: (عليكم بالصدق) أي: القول الحق، وقد يستعمل في أفعال الجوارح كصدق فلان في القتال إذا وفاه حقه (فإن الصدق يهدي إلى البر) أي: إلى العمل الصالح الخالص، والبر هو اسم جامع للخير (وإن البر يهدي إلى الجنة) أي: يوصل إليها قال ابن العربي: بين أن الصدق هو الأصل الذي يهدي إلى البر كله، وذلك لأن الرجل إذا تحرى الصدق لم يعص أبداً؛ لأنه إن أراد أن يشرب أو يزني أو يؤذي خاف أن يقال له زنيت أو شربت فإن سكت جر الريبة، وإن قال: لا، كذب، وإن قال: نعم، فسق، وسقطت منزلته وذهبت حرمته (وما يزال الرجل يصدق) في كلامه (ويتحرى الصدق) أي: يجتهد فيه (حتى يكتب عند الله صديقاً) أي: يحكم له بذلك ويستحق الوصف بمنزلة الصديقية (وإياكم والكذب) أي: احذروه (فإن الكذب يهدي إلى الفجور) أي: يوصل إلى الميل عن الاستقامة والانبعاث في المعاصي (وإن الفجور يهدي إلى النار) أي: يوصل إليها (وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) أي: يحكم له بذلك ويستحق الوصف بمنزلة الكذابين وعاقبتهم(12).

2- عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم". رواه أحمد(13).

3- عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً). رواه البيهقي" (14).

4- عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يعرف المؤمن بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه"(15).

 

الوقفة الرابعة:

 وورد عن السلف كلام حول الصدق وحقيقته فمنه:

1- قول عمر - رضي الله عنه -: عليك بالصدق وإن قتلك.

2- وقال عمر بن الخطاب أيضاً: لأن يضعني الصدق أحب إليّ من أن يرفعني الكذب.

3- وقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة.

4- قال يوسف بن أسباط: ما صدق الله عبد إلا صنع له.

5- وقال أحمد بن حنبل: لو وضع الصدق على جرح لبرأ.

6- قال أبو سعيد القرشي: الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحي من سره لو كشف قال الله - تعالى -: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} البقرة: 94}.

7- وقال عبد الواحد بن زيد: الصدق الوفاء لله بالعمل.

8- وقال بشر الحافي: من عامل الله بالصدق، استوحش من الناس.

9- وقيل هو: موافقة السر النطق.

10- وقيل هو: استواء السر والعلانية - يعني أن الكاذب علانيته خير من سريرته كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه -.

11- وقيل: الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة.

12- وقيل: كلمة الحق عند من تخافه وترجوه(16).

13- وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت، قيل: وما الفرض الدائم؟ قال: الصدق.

14- وقيل: من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق، والباطل.

15- وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك.

الوقفة الخامسة: أنواع الصدق.

الصدق أنواع وليس بنوع واحد؛ لذا يتبين لنا خطأ الكثير الذين يعتقدون أن الصدق هو في الأقوال فقط؛ بل الصواب أنه في الأقوال والأفعال والأحوال.

قال ابن القيم: فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله؛ فالصدق في هذه الثلاثة:

1- فالصدق في الأقوال استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.

2- والصدق في الأعمال استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد.

3- والصدق في الأحوال استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صديقيته؛ ولذلك كان لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأرضاه ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على الإطلاق(17).

ويمكن أن نوضح ما سبق بما يلي:

1- فالصدق في الأقوال: أنه يجب على كل عبد أن يحفظ لسانه، ولا يتكلم إلا بالصدق، والله سائله عن ذلك، قال - تعالى -: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}  النور: 24}. وينبغي للمسلم أن يحترز عن المعاريض إلاّ لحاجة، وتقتضيها المصلحة، قال عمر بن الخطاب: إن في المعارض غني عن كذب(18). ويدخل في ذلك الصدق في الأخبار، ويندرج تحته الوفاء بالوعد.

2- الصدق في الأعمال، وهو أن تستوي سريرته وعلانيته، بحيث لا يكون ظاهره خلاف باطنه. قال عبد الواحد بن زيد البصري: كان الحسن البصري إذا أمر بشيء كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن شيء كان من أترك الناس له، ولم أر أحد قط أشبه سريرته بعلانيته منه. وقال مطرف: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته قال الله - عز وجل -: هذا عبدي حقاً.

3- الصدق في الأحوال، وهو أعلى الدرجات الصدق، كالصدق في الإخلاص والخوف، والتوبة، والرجاء والزهد والحب والتوكل وغيرها، ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق، فمتى صدق المسلم في هذه الأحوال ارتفعت نفسه وعلت مكانته عند الله - عز وجل - قال - تعالى -: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على" حبه ذوي القربى" واليتامى" والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}البقرة: 177}، وقال - تعالى -: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} الحجرات: 15}.

قال ابن القيم: ولذلك كان لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأرضاه ذروة سنام الصديقية، سمي (الصديق) على الإطلاق والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق؛ فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل(19).

فإذا حقق المسلم هذه المراتب كان حقاً من الصديقين.

 

الوقفة السادس: ثمرات الصدق وفوائده:

للصدق ثمرات وفوائد عاجلة في الدنيا، وعواقب حميدة في الآخرة، فمن ثمراته وفوائده:

1- دخول الجنة، فقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عمل الجنة؟ قال: "الصدق". رواه أحمد(20). ولا ينفعه يوم القيامة، ولا ينجيه من عذابه إلاّ صدقه، قال - تعالى -: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا - رضي الله عنهم - ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} المائدة: 119}.

2- التوفيق لكل خير، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن مالك - وهو من الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك -: "أما هذا فقد صدق". رواه البخاري ومسلم(21).

3- النجاة من المهالك، وتفريج الضيق والكرب؛ فقد جاء في حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة: "لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه". رواه البخاري(22). وجاء في حديث فيه ضعف عن منصور بن المعتمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تحروا الصدق وإن رأيتم فيه الهلكة فإن فيه النجاة"(23).

قال الربيع بن سليمان:

صبر جميل ما أسرع الفرجا   ***   من صدق الله في الأمور نجا

من خشي الله لم ينله أذى   ***  من رجا الله كان حيث رجا(24)

4- صلاح الباطن؛ فمن صدق في أعماله الظاهرة صدق باطنه.

5- أن بالصدق تستجلب مصالح الدنيا والآخرة. قال - تعالى -: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} المائدة: 119}.

6- أن الصدق يورث الطمأنينة والسكون. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصدق طمأنينة والكذب ريبة". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح(25).

7- أن صاحب الصدق لا تضره الفتن.

8- أن الصدق هو أصل البر، والكذب أصل الفجور كما في الصحيحين(26) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عليكم بالصدق فان الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فان الكذب يهدي إلى الفجور، وان الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".

9- انتفاء صفة النفاق عن الصادق، ففي الصحيحين(27) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث من كن فيه كان منافقاً، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان".

10- أن الصادق تنزل عليه الملائكة، والكاذب تنزل عليه الشياطين كما قال - تعالى -: هل أنبئكم على" من تنزل الشياطين 221 تنزل على" كل أفاك أثيم 222 يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} الشعراء: 221 - 223}.

11- أن الصادق يرزق صدق الفراسة.

12- من صدقت لهجته، ظهرت حجته، وهذا من سنة الجزاء من جنس العمل؛ فإن الله يثبّت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، فيلهم الصادق حجته ويسدد منطقه، حتى أنه لا يكاد ينطق بشيء يظنه إلاّ جاء على ما ظنه كما قال عامر العدواني: إني وجدت صدق الحديث طرفاً من الغيب فاصدقوا.

13- من اعتاد الصدق حظي بالثناء الحسن الجميل من سائر الناس وثقتهم كما ذكر الله - عز وجل - ذلك عن أنبيائه الكرام {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} مريم: 50} والمراد باللسان الصدق: الثناء الحسن كما سبق عن ابن عباس.

14- أن الصدق في البيع يجلب البركة، فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما" رواه البخاري ومسلم(28).

 

الوقفة السابعة: قصص في صدق السلف

لقد كان للأنبياء والصالحين مع الصدق قصص عجيبه يتجلى فيها حبهم للصدق وحرصهم عليهم، وقد ذكرت في بداية الكلام اتصاف نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وكذلك غيره، فمن ذلك:

1- خطب بلال لأخيه امرأة قرشية فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم كنا عبدين فأعتقنا الله - تعالى -، وكنا ضالين فهدانا الله - تعالى -، وكنا فقيرين فأغنانا الله - تعالى -، وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله - تعالى -، وإن تردونا فالله أكبر؛ فأقبل بعضهم على بعض فقالوا: بلال ممن عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزوجوا أخاه فزوجوه فلما انصرفوا قال له أخوه: يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتترك ما عدا ذلك فقال: مه يا أخي صدقت فأنكحك الصدق(29).

2- عن سهل بن عقيل قال: أن إسماعيل - عليه السلام - وعد رجلاً أن يأتيه فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت. قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني.

ولذلك {كان صادق الوعد} مريم: 54} أخرجه ابن جرير في تفسيره وقال عند قوله - تعالى -: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} مريم: 54} يقول - تعالى - ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: واذكر يا محمد في هذا الكتاب إسماعيل بن إبراهيم فاقصص خبره إنه كان لا يكذب وعده ولا يخلف ولكنه كان إذا وعد ربه أو عبداً من عباده وعداً وفى به(30).

3- قال الشافعي: حدثنا عمي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال: يا سليمان من الذي تولى كبره منهم؟ قال: عبد الله بن أبي ابن سلول، قال: كذبت هو علي، فدخل ابن شهاب فسأله هشام فقال: هو عبد الله بن أبي، قال: كذبت هو علي، فقال - الزهري -: أنا أكذب لا أبا لك، فوالله لو نادى مناد من السماء إن الله أحل الكذب ما كذبت(31).

4- قال أسعد بن عبيد الله المخزومي: أمرني عبد الملك بن مروان أن أعلم بنيه الصدق كما أعلمهم القرآن(32).

5- قال إسماعيل بن عبيد الله: لما حضرت أبي الوفاة جمع بنيه فقال لهم: يا بَنِي عليكم بتقوى الله، وعليكم بالقرآن فتعاهدوه، وعليكم بالصدق حتى لو قَتَل أحدكم قَتيلاً، ثم سئل عنه أقر به، والله ما كذبت كذبة قط مذ قرأت القرآن.

6- قال الأصمعي عن عمه قال: أتى رجل الحجاج بن يوسف فقال ربعي بن حراش - زعموا لا يكذب - وقد قدم ابناه عاصيين فابعث إليه فاسأله فإنه سيكذب، فبعث إليه الحجاج فقال: ما فعل ابناك ياربعي، فقال: هما في البيت، والله المستعان، فقال له الحجاج: هما لك، وأعجبه صدقه(33).

7- وخطب الحجاج في يوم الجمعة فأطال الخطبة، فقام إليه رجل فقال: إن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك. فأمر به إلى الحبس فأتاه آل الرجل فقالوا: إنه مجنون، فقال: إن أقر على نفسه بما ذكرتم خليت سبيله، فقال الرجل: لا والله لا أزعم أنه ابتلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه (34).

8- وسمي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالصادق لصدقه في مقاله.

الوقفة الثامنة: مظاهر من غياب الصدق في حياة المسلمين اليوم:

الناظر في حال الناس اليوم يرى قصورهم في جانب الصدق، ولعل السبب يكمن في ضعف الإيمان في قلوب كثير من المسلمين؛ فقد انتشرت الذنوب والمعاصي بينهم، وغلب حب الدنيا في حياة الناس، وأصبح الخوف من المخلوقين غالب مما جعل الصدق يغيب عن أقوال الناس، وأفعالهم، وأحوالهم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصدق طمأنينة والكذب ريبة". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح(35). فالطمأنينة فُقدت في تعاملات الناس مع بعضهم البعض، وظهرت الريبة بدلاً عنها.

فمن المظاهر المنتشرة:

1- انتشار الكذب في كلام الناس، وفي أفعالهم، وهو من كبائر الذنوب، قال - تعالى -: {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} آل عمران: 61}، ففي الصحيحين(36) وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث من كن فيه كان منافقاً إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان".

2- انتشار إخلاف الوعد، وكما في الحديث السابق شيء من صفات المنافقين، وأصبح إخلاف الوعد أمراً ظاهراً في حياة الناس، حتى إنك أصبحت تعرف أُناساً عُرفوا بإخلاف الوعد.

 

ومن صور إخلاف الوعد:

التخلف عن الحضور بلا عذر، أو التأخر في المواعيد، فمثلاً: تُواعِدُ شخصاً الساعة الثامنة فيأتي إليك الساعة التاسعة، ويعتذر بأنه مر على محل لشراء أغراض تخصه. وإنه لمن المحزن أن ترى إخلاف الوعد من أناس سيماهم الخير، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله. ويدخل في ذلك إخلاف الوعد للأبناء بشراء شيء، أو إعطائهم شيء، قال عبد الله بن مسعود: لا يصلح الكذب في هزل ولا جد، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئاً ثم لا ينجزه له(37).

3- خيانة الأمانة، حيث ترى الكثير من الناس لا يقوم بالواجب عليه تجاه ما هو مطلوب منه، فمثلاً: عدم قيام الموظف بما مطلوب منه في عمله؛ فتجده يتأخر في الحضور للعمل، وإذا حضر يشغل وقته بما لا يخدم العمل من اتصالات بالهاتف أو غيره، إلى قراءة الجرائد فضلاً عمن يشاهد القنوات الفضائية مع وجود أعمال لم ينجزوها. ويدخل في ذلك أخذ إجازات مرضية وهو غير مريض، ونسي أنه يأخذ مالاً من الدولة على هذا العمل؛ فبأي حق يأخذ هذا المال من فعل ذلك، وقس على ذلك بقية الأعمال.

4- الغش في البيع بإخفاء عيب السلع، فتجد البائع يعرف عن سلعته عيباً لا يخبر بها المشترى، ويعتذر بأن هذه وظيفة المشتري، وكذلك رغبته في أن تباع بسعر جيد، مع أن إخفاء العيب يذهب البركة؛ فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما" رواه البخاري ومسلم(38).

5- ادعاء الحاجة والفقر، وهو غني؛ فإنما يسأل للتكثر، وقد ورد النهي عن ذلك، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً؛ فليستقل أو ليستكثر"(39).

6- إخفاء كلِّ من الخاطب والمخطوبة ما فيه من عيب، سواء كانت خَلقية أو خُلقية، وإبراز المحاسن وتضخيمها، والمبالغة في المدح، وهذا يمحق بركة الزواج. فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة - وهو غائب - فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال: "ليس لك عليه نفقة"؛ فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك؛ فإذا حللت فآذنيني"، قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنكحته فجعل الله فيه خيراً واغتبطت". رواه ومسلم(40). فلم تمنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما في معاوية بن أبي سفيان، وأبي الجهم من العيوب عندما سئل عنها؛ بل ذكرها، وهذا من الصدق والأمانة، وبعض الناس إن سَأَلْتَهُ عن خاطب أو مخطوبة قال: الستر مطلوب، وهذا ليس بصحيح فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يمتنع من ذكر العيوب لأن فيها مصلحة.

هذا ونسأل أن يوفقنا للصواب في أقوالنا، وأعمالنا، وأن يوفقنا للصدق في السر والعلانية، وأن يجعلنا من الصديقين إنه جواد كريم، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

 

––––––––––––––------------––––------–-

الهوامش:

(1)ينظر لسان العرب 10 - 193- 194.

(2)تفسير ابن كثير 3- 643.

(3)تفسير ابن سعدي ص 355.

(4)تفسير ابن سعدي ص 661.

(5)تفسير ابن سعدي ص 661.

(6)الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8 - 306.

(7)مدارج السالكين لابن القيم 1-475.

(8)الجامع لأحكام القرآن 17 - 150.

(9)تفسير ابن سعدي ص 465.

(10)مدارج السالكين لابن القيم 2- 270.

(11)البخاري (5743)، ومسلم (2607).

(12)فيض القدير للمناوي 4- 343.

(13)مسند أحمد 5- 323.

(14)شعب الإيمان (8017).

(15)الاستذكار لابن عبد البر 8- 574.

(16)مدارج السالكين 2- 274.

(17)مدارج السالكين 2 - 270.

(18)الزهد لهناد بن السري 2- 636.

(19) مدارج السالكين 2 - 270.

(20) مسند أحمد 2- 176.

(21) البخاري (4156)، ومسلم (2769).

(22) البخاري (3279).

(23) ابن الدنيا في كتاب الصمت (448).

(24) شعب الإيمان للبيهقي 2- 37.

(25) الترمذي (2518).

(26) البخاري (5743)، ومسلم (2607).

(27) البخاري (33)، ومسلم (59).

(28) البخاري (1973)، ومسلم (1532).

(29) تاريخ دمشق 14 - 383، والمستطرف 2- 15.

(30) تفسير ابن جرير الطبري 15 - 561.

(31) سير أعلام النبلاء 5- 339.

(32) ابن الدنيا في كتاب الصمت (450).

(33) تاريخ دمشق لابن عساكر 18 - 43.

(34) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان 2 - 40.

(35) الترمذي (2518).

(36) البخاري (33)، ومسلم (59).

(37) الزهد لهناد بن السري 2- 633.

(38) البخاري (1973)، ومسلم (1532).

(39) مسلم (1041).

(40) مسلم (1480).