الزيـــــارة

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : محمـــود زعـــرور | المصدر : www.awu-dam.org

اكنت تصغي بلهفة إليها، وكانت كلماتها التي يقطر منها الشوق دافئة، ندية، مضمخة بالحزن، وقد أكسبتها تلك الدمعات الصغيرات حميمية قصوى، وإحساساً ضاغطاً، وشعرت بأن صبرك يتلجلج، وثباتك يهتز، بل، أضحى كيانك كله موضع اختلال أكيد.‏

ورحت تبحر عميقاً في العينين الحمراوين، المتوهجتين بهذا البلل الحارق، المؤلم، وقد راح يوشحهما ببريق يتلألأ بسطوع خافت.‏

وكان أخوك يحاول الانشغال مع الزائر القريب كي لا يفضح تأثره مما يرى، ويسمع، وخلت أن هذه الكلمات، وتلك الحرارة الخاصة التي تصدر عنها قد قربت هذه المسافة الفاصلة بينكما، وصرت تتخيل أن حاجز السلك المزروع أمامك قد تراجع أو اختفى، أو كاد وجوده يمحى من اعتباراتك تماماً.‏

في كل مرة، كنت تلوم نفسك، لأنك تنسى بعض ما تود قوله لها، وهي فترة تمتد من أسبوع إلى ثلاثة أشهر، موعد زيارتها لك، حسبما يتم الحصول على بطاقة الزيارة.‏

أجل كانت تنقضي تلك الدقائق السريعة بلمح البصر، وأنت تعتصر، دائماً، ما يتبقى من الوقت لتبلغها حزنك، وشوقك، وبعض وصاياك إلى أصدقائك خارج هذا السجن القاهر.‏

لكنك، كنت تجد نفسك مستسلماً كلياً، لما ترسله لك من بوح، وما تراه وجداً يتفتت في حديثها وتقول في نفسك، بأن كلماتها ستكون لك خير الزاد، في وحدتك هنا، وهذا الزاد هو الضامن لتحملك، وجلدك، حتى موعد الزيارة القادمة.‏

كانت تسألك دائماً:‏

- "متى ستخرج؟"‏

وفي كل مرة، وأنت تواجه هذا السؤال، يعود بك خيالك إلى الأيام التي كنت تخرج معها في النزهات وأنتما ترسمان الآتي لكما.‏

وكنت تجد راحة كبرى وأنت تراها في تلك الحماسة، والمشاركة، وتقول لنفسك دائماً، بأنك -وهي معك بهذا الشكل- لن تخاف من أي شيء، وما من قوة تستطيع تبديد هذا الحلم المتوهج، أو تشويه صورته الفاتنة.‏

وأصدقاؤك، أيضاً، كنت تدخلهم في أسباب قوتك، وقوة ذاك الأمل المنشود الذي رسمته ذات يوم، وكان الرسم زاهياً، مواراً يطيف الفرح، والعالم بهذا الرسم، تقول لها، سيغدو أكثر نقاءً وبهاءً، وأكثر جمالاً.‏

- "متى ستخرج؟".‏

تسألك، وتضيف:‏

- "لقد صدر عفو في المغرب".‏

تتطلع إليها، وحيرة عظيمة تغزوك فجأة، وتهتاج روحك بحدة، وتضطرب نفسك، وتسألها بصوت خفيض:‏

- "هل أحضرت لي كتبا؟".‏

- "نعم. بالطبع.".‏

تجيب مسرعة.‏

وصارت تذكر لك عناوين الكتب التي حملتها لك وتستدرك:‏

- "آه... نسيت أن أقول لك.... لقد فاز "نجيب محفوظ" بجائزة نوبل".‏

وسرور كبير يدخل قلبك، لأن إعجابك بهذا الكاتب كان قوياً، ولجنة نوبل السويدية، قلت: أنصفت الأدب العربي هذه المرة.‏

ينتهي وقت الزيارة الخاطف، يودعك أخوك، ومهتاجة، ودامعة، وحزينة، تكون كلمات الوداع، وعندما تنظر في عينيها من جديد ترى الحمرة تزداد على نحو ملحوظ، ويتلألأ أكثر فأكثر البريق الساطع، والمضبب كذلك، وينقبض قلبك بألم مرة أخرى، وأنت ترى الدموع وهي تبلل خديها، وقد انبجست خافتة، صموتة، وآلمك، كثيراً بقاؤك أمامها ساكناً، متحجراً من الأسى والضعف، ونداء متنام بداخلك يدفعك كي تلتقط حبات اللؤلؤ المنسابة... ولم تفعل.‏

تهرع إلى النافذة، تتابعها في طريق العودة، تراها تلوح لك بيديها، وهي تخطو خطواتها كغزال أبيض يمضي فوق عشب أخضر، والطريق يمتد ويطول، مثل وقوفك عند النافذة حتى تغيب وأخوك. ولم تعد تميز منهما سوى الأثر الباقي لهما في روحك ووجدانك.‏

تحتضن هذا الأثر، تدعه يتوغل عميقاً، فعميقاً، ليستقر، وستناديه كي يؤنسك في الحالكات، باسطاً عونه الرؤوم.‏

سيفرحك بقاؤه، وبعد ذلك تذكره والحنين إليه، وأنت تعتاد الوداع... والغياب