حول عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف القرآن من العصمة

الناقل : heba | الكاتب الأصلى : د / محمد عمارة | المصدر : www.dar-alifta.org

الشبهة


هناك من لا يعترفون بأن الرسول معصوم عن الخطأ ، ويقدمون الأدلة على ذلك بسورة [ عبس وتولى ] وكذلك عندما جامل الرسول - صلى الله عليه وسلم - زوجاته ، ونزلت الآية الكريمة التى تنهاه عن ذلك (ا . هـ) .

 
الرد عليها
أ. د / محمد عمارة

    إن عصمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك عصمة كل الرسل - عليهم السلام - يجب أن تفهم فى نطاق مكانة الرسول .  . ومهمة الرسالة .فالرسول : بشر يُوحَى إليه  .  أى أنه - مع بشريته - له خصوصية الاتصال بالسماء ، بواسطة الوحى . . ولذلك فإن هذه المهمة تقتضى صفات يصنعها الله على عينه فيمن يصطفيه ، كى تكون هناك مناسبة بين هذه الصفات وبين هذه المكانة والمهام الخاصة الموكولة إلى صاحبها .
    والرسول مكلف بتبليغ الرسالة ، والدعوة إليها ، والجهاد فى سبيل إقامتها وتطبيقها .  . وله على الناس طاعة هى جزء من طاعة الله - سبحانه وتعالى - (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) (1) ( قل أطيعوا الله والرسول ) (2) ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) (3) ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) (4) ولذلك كانت عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله ضرورة من ضرورات صدقهم والثقة فى هذا البلاغ الإلهى الذى اختيروا ليقوموا به بين الناس .  . وبداهة العقل - فضلاً عن النقل - تحكم بأن مُرْسِل الرسالة إذا لم يتخير الرسول الذى يضفى الصدق على رسالته ، كان عابثًا . . وهو ما يستحيل على الله ، الذى يصطفى من الناس رسلاً تؤهلهم العصمة لإضفاء الثقة والصدق على البلاغ الإلهى .  . والحُجة على الناس بصدق هذا الذى يبلغون .
    وفى التعبير عن إجماع الأمة على ضرورة العصمة للرسول فيما يبلغ عن الله ، يقول الإمام محمد عبده [ 1266 - 1323 هـ / 1849- 1905م ] عن عصمة الرسل - كل الرسل - :  " .  . ومن لوازم ذلك بالضرورة : وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم ، وصحة عقولهم ، وصدقهم فى أقوالهم ، وأمانتهم فى تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه ، وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة البشرية ، وسلامة أبدانهم مما تنبو عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة ، وأنهم منزهون عما يضاد شيئًا من هذه الصفات ، وأن أرواحهم ممدودة من الجلال الإلهى بما لا يمكن معه لنفس إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية .  . إن من حكمة الصانع الحكيم - الذى أقام الإنسان على قاعدة الإرشاد والتعليم - أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يُعدُّ لها ، بمحض فضله ، بعض مَنْ يصطفيه من خلقه ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته ، يميزهم بالفطرة السليمة ، ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه ، والأمانة على مكنون سره ، مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه ، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته ، فيشرفون على الغيب بإذنه ، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه ، ويكونون فى مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين ، نهاية الشاهد وبداية الغائب ، فهم فى الدنيا كأنهم ليسو من أهلها ، هم وفد الآخرة فى لباس من ليس من سكانها . .  أما فيما عدا ذلك - [ أى الاتصال بالسماء والتبليغ عنها ] - فهم بشر يعتريهم ما يعترى سائر أفراده ، يأكلون ويشربون وينامون ويسهون وينسون فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام ، ويمرضون وتمتد إليهم أيدى الظلمة ، وينالهم الاضطهاد ، وقد يقتلون " (5) .
    فالعصمة - كالمعجزة - ضرورة من ضرورات صدق الرسالة ، ومن مقتضيات حكمة من أرسل الرسل - عليهم السلام - .
    وإذا كان الرسول - كبشر - يجوز على جسده ما يجوز على أجساد البشر . .  وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل فى مناطق وميادين الاجتهاد التى لم ينزل فيها وحى إلهى . .  فإنه معصوم فى مناطق وميادين التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانبة الحق والصواب أو اختيار غير الأولى فى مناطق وميادين التبليغ عن الله لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحى والبلاغ ، بل وإلى حكمة من اصطفاه وأرسله ليكون حُجة على الناس .  . كذلك كانت العصمة صفة أصيلة وشرطًا ضروريًا من شروط رسالة جميع الرسل - عليهم السلام - .  . فالرسول فى هذا النطاق - نطاق التبليغ عن الله - ( وما ينطق عن الهوى  *  إن هو إلا وحى يوحى ) (6) .  وبلاغة ما هو بقول بشر ، ولذلك كانت طاعته فيه طاعة لله ، وبغير العصمة لا يتأتى له هذا المقام  .
    أما اجتهادات الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما لا وحى فيه ، والتى هى ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية ، فلقد كانت تصادف الصواب والأولى ، كما كان يجوز عليها غير ذلك .  . ومن هنا رأينا كيف كان الصحابة ، رضوان الله عليهم فى كثير من المواطن وبإزاء كثير من مواقف وقرارات وآراء واجتهادات الرسول - صلى الله عليه وسلم - يسألونه - قبل الإدلاء بمساهماتهم فى الرأى - هذا السؤال الذى شاع فى السُّنة والسيرة :
    " يا رسول الله ، أهو الوحى ؟ أم الرأى والمشورة  ؟ . . "
    فإن قال : إنه الوحى .  كان منهم السمع والطاعة له ، لأن طاعته هنا هى طاعة لله . .  وهم يسلمون الوجه لله حتى ولو خفيت الحكمة من هذا الأمر عن عقولهم ، لأن علم الله - مصدر الوحى - مطلق وكلى ومحيط ، بينما علمهم نسبى ، قد تخفى عليه الحكمة التى لا يعلمها إلا الله . .  أما إن قال لهم الرسول - جوابًا عن سؤالهم - : إنه الرأى والمشورة .  . فإنهم يجتهدون ، ويشيرون ، ويصوبون . .  لأنه - صلى الله عليه وسلم - هنا ليس معصومًا ، وإنما هو واحد من المقدمين فى الشورى والاجتهاد . .  ووقائع نزوله عن اجتهاده إلى اجتهادات الصحابة كثيرة ومتناثرة فى كتب السنة ومصادر السيرة النبوية - فى مكان القتال يوم غزوة بدر . .  وفى الموقف من أسراها . . وفى مكان القتال يوم موقعة أُحد . .  وفى مصالحة بعض الأحزاب يوم الخندق إلخ . . إلخ .
    ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أراد الله له أن يكون القدوة والأسوة للأمة ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ) (7).
    وحتى لا يقتدى الناس باجتهاد نبوى لم يصادف الأولى ، كان نزول الوحى لتصويب اجتهاداته التى لم تصادف الأولى ، بل وعتابه - أحيانًا - على بعض هذه الاجتهادات والاختيارات من مثل : ( عبس وتولى  *  أن جاءه الأعمى  *  وما يدريك لعله يزكى  *  أو يذكر فتنفعه الذكرى  * أما من استغنى  *  فأنت له تصدى  *  وما عليك ألا يزكى  *  وأما من جاءك يسعى  *  وهو يخشى * فأنت عنه تلهى ) (8) .  ومن مثل : ( يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم  *  قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم  *  وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأنى العليم الخبير  ) (9).
    ومن مثل : ( ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم  *  لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) (10).
وغيرها من مواطن التصويب الإلهى للاجتهادات النبوية فيما لم يسبق فيه وحى ، وذلك حتى لا يتأسى الناس بهذه الاجتهادات المخالفة للأولى .
    فالعصمة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فيما يبلغ عن الله شرط لازم لتحقيق الصدق والثقة فى البلاغ الإلهى ، وبدونها لا يكون هناك فارق بين الرسول وغيره من الحكماء والمصلحين ، ومن ثم لا يكون هناك فارق بين الوحى المعصوم والمعجز وبين الفلسفات والإبداعات البشرية التى يجوز عليها الخطأ والصواب . .  فبدون العصمة تصبح الرسالة والوحى والبلاغ قول بشر ، بينما هى - بالعصمة - قول الله - سبحانه وتعالى - الذى بلغه وبينه المعصوم - عليه الصلاة والسلام - . . فعصمة المُبَلِّغ هى الشرط لعصمة البلاغ . .  بل إنها - أيضًا - الشرط لنفى العبث وثبوت الحكمة لمن اصطفى الرسول وبعثه وأوحى إليه بهذا البلاغ  .

 

 

الهوامش:
----------------------------
(1) النساء: 59.
(2) آل عمران: 32.
(3) النساء: 80.
(4) آل عمران: 31.
(5) [ الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ] ج2 ص 415 ، 416 ، 420، 421 - دراسة وتحقيق : د. محمد عمارة - طبعة القاهرة سنة 1993م.
(6) النجم: 3-4.
(7) الأحزاب: 21.
(8) عبس : 1- 10 .
(9) التحريم : 1 - 3 .
(10) الأنفال : 67 - 68 .