لماذا وافق الصحابة الوحي؟

الناقل : heba | المصدر : www.dar-alifta.org

الشبهة
ورد في القرآن على لسان الوليد بن المغيرة قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25]، وقال محمد إن قرآنه وحي من الله: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم : 40]، وواضح أن القرآن حوى أقوال عمر بن الخطاب التي دونها محمد باعتبار أنها نزلت من السماء0 فمرة قال عمر: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فجاء قرآن يقول: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّـعِ السُّجُــودِ} [البقرة: 125] إلى غير ذلك من أمثلة ونماذج.
 
الرد عليها
مركز الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية

    هذه الآية الكريمة ليست دليلا على الشبهة، فهذه العبارة جاءت على لسان قائلها وهو الوليد بن المغيرة، فحكاها القرآن الكريم؛ ليبين بهتانها، وبهتان قائلها، وهذا نموذج واضح على الخطأ الذي قد ينتج عن فهم القرآن بدون مراعاة سياق الآيات.
    وأما ما جاء من موافقة بعض ما نزل من القرآن الكريم لما نطق به بعض الصحابة فهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على تمام انسجام هذا الكتاب الكريم مع لغة بني الإنسان ومشاعرهم وانفعالاتهم، عندما تصفو نفوسهم، والثابت من الواقع والشرع أن سيدنا عمر رضي الله عنه، كان ملهمًا محدَّثًا، وقد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب"[البخاري: 3210]، وهذه القدرات لا ينكرها أحد من البشر ولا سيما في عصر الذرة والمجرة الذي كشف فيه الإنسان كثيرًا من خصائص العقل البشرى، وليس أدل على هذا من حديث عمر مع سارية في هذه الحادثة المشهورة حين نادى عليه وهو بعيد عنه بآلاف الكيلومترات فسمعه واستجاب لنصحه، وفي الغرب في هذه الأيام رصد ودراسات كثيرة عما يسمى بـ[التليباثى] وهو التخاطر عن بعد. والمقصد: أن القدرات العقلية والإلهامية لا حد لها، ولا ينكرها عاقل، ولا سيما مع الإيمان والقرب من الله عز وجل، مادامت هذا القدرات لم تأت بما يخالف قواعد العقل ويؤدي إلى قلب الحقائق، وبالبحث تبين أن جماع ما يخالف قواعد العقل ويؤدي إلى قلب الحقائق مرجعه إلى اجتماع النقيضين، فكل ما آل أمره إلى اجتماع النقيضين فهو مردود.

ثم إن الشبهة لا تفرق بين مستويين:
الأول: ما وافق فيه القرآن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أوغيره من الصحابة الكرام لفظًا ومعنى، أي: الألفاظ التي نطقوها رضوان الله عليهم ووافقها القرآن الكريم.
والثاني: ما وافق فيه القرآن سيدنا عمر رضي الله عنه، أوغيره من الصحابة الكرام في المعنى والتوجه دون اللفظ، أي: أن القرآن نزل بلفظ مخالف لما نطقوا به.

والشبهة التي أثارها المشككون إنما تتناول المستوى الأول دون الثاني، فعلى فرض التسليم بالأول، فنقول لهم: ماذا تقولون في الثاني؟
    إن عدم نزول هذه الآيات الكريمة إلا بعد أن نطق بها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وغيره من الصحابة الكرام، مع أنها في اللوح المحفوظ أزلا؛ لأن في هذا تمهيد وتأليف لقلوب العباد لتحمل هذا التكليف، ومؤانسة لهم بأن تميل قلوبهم لشرع الله عز وجل.
    إن الكلام يختلف وضعه باختلاف قائله، وقل ما شئت في الفرق بين كلام الله عز وجل وكلام البشر من حيثيات لا تحصى ولا تعد، فإذا جاءت عبارة نطق بها بعض البشر موافقة لعبارة جاءت في القرآن الكريم. نقول على القرآن الكريم أنه قول البشر، وبينهما من الفوارق ما بين السماء والأرض بل يزيد، ولا يدرك هذا إلا أولو العلم والفهم.
    ومن نافلة القول أن نذكر هنا أثرًا أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية من طريق ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله أن كعب الأحبار قال لعمر رضي الله عنه: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء. قال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: إلا من حاسب نفسه، وكبر عمر وخر ساجدًا(1).
    فهذا الأثر يبين أن سيدنا عمر رضي الله عنه قد وافق التوراة، ومما هو معلوم أن التوراة قد نزلت قبل ميلاد سيدنا عمر، هذا مما لا شك فيه أصلا، فكيف وافق سيدنا عمر التوراة؟!

 

الهوامش:
----------------
(1) الرد على الجهمية. لعثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد أبو سعيد الدارمي صـ60، وقد ذكر هذا الأثر أيضًا الإمام السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء صـ110