زواج المسيار

الناقل : heba | المصدر : www.dar-alifta.org

زواج المسيار
الزواج عقدٌ قوليٌّ بين رجل وامرأة خاليين من الموانع الشرعية، وشأنه كشأن سائر العقود التي تصح بتوفر شروطها وأركانها وانتفاء موانعها، ومن المقرر في الفقه الإسلامي أن العقود ألفاظ؛ فإذا حصلت على جهة الإنشاء من كامل الأهلية في التصرف مستكملةً لشروطها وأركانها مع انتفاء موانعها فإنها تعتبر عقودًا صحيحة، تستتبع آثارها وما يترتب عليها من أحكام.
وزواج المسيار: يتم فيه إجراء عقد النكاح مستوفيًا الأركان والشرائط، ولكنَّ المرأة تتفق مع الزوج على أن تتنازل عن حقها في المبيت والنفقة، أو أحدهما.
و"المسيار" ليست كلمة معجمية – كما يقول الشيخ القرضاوي – وإنما هي كلمة عامية دارجة في بعض دول الخليج، ربما تعني المرور وعدم المكث الطويل، فيبدو أن زواج المسيار أُخذ من هذا المعنى ([1])؛ لأن الرجل في هذا الزواج يسير إلى زوجته في أوقات متفرقة ولا يستقر عندها طويلا.
والمعتمد صحة هذا الزواج وجوازه طالما أن العقد قد استوفى الأركان والشروط المعتبرة شرعاً، وهي: الإيجاب والقبول، ووجود الولي، وحضور الشهود، وسلامة الزوجين من الموانع الشرعية.
وهذا العقد متى تكاملت فيه أركان العقد وشروطه ترتبت عليه كل الحقوق المترتبة على عقد الزوجية من حيث النسب، والإرث، والعدة، والطلاق، واستباحة البُضْع، والسكن، والنفقة، وغير ذلك من الحقوق والواجبات، إلا أن الزوجين فيه قد ارتضيا واتفقا على أن تتنازل الزوجة عن حق المبيت، أو القَسْم، أو النفقة، فإن تنازلت المرأة عن بعض حقوقها، فلها ذلك؛ لأنها مالكة الحق، ولها أن تتنازل عنه، ولا أثر لذلك في صحة العقد.
قال ابن قدامة في المغني وهو يتحدث عن أقسام الشروط في النكاح: "القِسم الثاني: ما يبطل الشرط, ويصح العقد, مثل: أن يشترط أن لا مهر لها, أو أن لا ينفق عليها أو إن أصدقها رجع عليها, أو تشترط عليه أن لا يطأها, أو يعزل عنها، أو يقسم لها أقل من قَسْم صاحبتها أو أكثر، أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة, أو شرط لها النّهار دون الليل, أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئًا. فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها; لأنها تنافي مقتضى العقد; ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده, فلم يصح, كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع, فأما العقد في نفسه فصحيح; لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد, لا يشترط ذكره, ولا يضر الجهل به, فلم يبطله. كما لو شرط في العقد صداقًا محرمًا; ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض, فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد" اهـ ([2]).
والأصل في إباحة تنازل المرأة عن بعض حقوقها قوله تعالى: {وإِنِ امرَأةٌ خافَت من بَعلِها نُشُوزًا أَو إعراضًا فلا جُنَاحَ عَلَيهِما أن يُصلِحا بَينَهُما صُلحًا والصُّلحُ خَيرٌ وأُحضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وإن تُحسِنوا وتَتَّقُوا فإنَّ اللّهَ كان بما تَعمَلُونَ خَبِيرًا}[النساء: 128].
وقد رُوي في سبب نزول هذه الآية عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل. فنزلت هذه الآية في ذلك" ([3]).
وعن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة"، ففعل فنزلت: {فلا جُنَاحَ عَلَيهِما أن يُصلِحا بَينَهُما صُلحًا والصُّلحُ خَيرٌ} ([4]).
وزواج المسيار ليس جديدًا في نفسه، بل الجديد فيه هو تسميته بذلك. وله نظيرٌ في الفقه القديم عُرِف بـ "زواج النهاريات أو الليليات"، والعبرة في الأحكام -كما هو مقرر - ليست بالأسماء وإنما بالمسميات.
جاء في فتح القدير للكمال ابن الهمام الحنفي: "ولا بأس بتزوج النهاريات، وهو: أن يتزوجها على أن يكون عندها نهارًا دون الليل" ([5]).
وقد نص الإمام أحمد – كما في المغني - في رجل تزوج امرأة, وشرط عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة, ثم رجعت وقالت: لا أرضى إلا ليلة وليلة، فقال: لها أن تنـزل بطيب نفس منها, فإن ذلك جائز, وإن قالت: لا أرضى إلا بالمقاسمة كان ذلك حقًّا لها, تطالبه إن شاءت, ونقل عنه الأثرم في الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها أن يأتيها في الأيام يجوز الشرط, فإن شاءت رجعت, وقال في الرجل يتزوج المرأة على أن تنفق عليه في كل شهر خمسة دراهم, أو عشرة دراهم, النكاح جائز ولها أن ترجع في هذا الشرط. وقد نقل عنه المروزي في النهاريات والليليات: ليس هذا من نكاح أهل الإسلام, وممن كره تزويج النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شُبْرمة، وقال الثوري: الشرط باطل. وكان الحسن, وعطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأسًا، وكان الحسن لا يرى بأسا أن يتزوجها, على أن يجعل لها من الشهر أيامًا معلومة, ولعل كراهة من كره ذلك راجع إلى إبطال الشرط, وإجازة من أجازه راجع إلى أصل النكاح, فتكون أقوالهم متفقة على صحة النكاح وإبطال الشرط ([6]).
ومعنى قول الإمام أحمد: ليس من نكاح أهل الإسلام، أي: ليس هو النكاح الكامل، كقولك: ليس بمؤمن من لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه ([7])، والمعنى: ليس المؤمن الكامل الإيمان من لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
وقد ذهب بعض العلماء إلى القول بعدم إباحة هذا الزواج، واستدلوا على ذلك بمجموعة من الأدلة، نذكرها ونجيب عنها بإذن الله:
أولا: العقد في هذا الزواج مقترن ببعض الشروط التي تخالف مقتضى العقد، كشرط تنازل المرأة عن حقها في القسم والنفقة ونحو ذلك، وهذه الشروط فاسدة وقد تفسد العقد.
وقد تقدمت مناقشة هذا الدليل من خلال كلام الإمام ابن قدامة حول القسم الثاني من أقسام الشروط في النكاح، وفيه: أن العقد يصح، ويَفْسُد الشرط.
ثانيًا: أن هذا الزواج يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية من الزواج، كتحقيق السكن والمودة، ورعاية الأبناء.
ويُناقش هذا بإنَّا لا ننكر أن هذا النوع من الزواج ليس هو الزواج الإسلامي المثالي المنشود، لكن عدم تحقيق كل الأهداف المرجوّة لا يُلغي العقد، ولا يبطل الزواج ([8]).
بل نقول: إن هذا الزواج يحقق أول وأهم أهداف الزواج، ألا وهو الإعفاف والتصون عن فعل الفاحشة، كما في التوجيه النبوي: "يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفَرْج" ([9]).
ثالثًا: أن زواج المسيار هذا: مبني على الإسرار والكتمان، وعدم إطلاع الناس عليه، والأصل في الزواج الإعلان.
ويُناقش هذا بأن الكتمان والسرية ليسا من لوازم هذا الزواج، بل يمكن أن يتمتع بالإعلان والتسجيل في السجلات الرسمية، كما أن كتمان الزواج بعد اكتمال شروطه وأركانه لا يجعله باطلا عند جمهور الفقهاء.
أما ما نقل عن المالكية من أن اشتراط الكتمان على الشهود يُبطل عقد النكاح، فإن هذا مخصوص بما إذا أُوصِي الشهود بالكتمان حال العقد، أما إذا وقع الإيصاء بعده فلا يضر ([10]).
رابعًا: أن هذا الزواج ينطوي على كثير من المحاذير؛ إذ قد يتخذه بعض النسوة وسيلة لارتكاب الفاحشة بدعوى أنها متزوجة عن طريق المسيار. لذا يجب منعه سدًّا للذرائع حتى ولو كان مستكمل الأركان والشروط قياساً على زواج المتعة والمحَلِّل.
وهذا غلوٌّ في سد الذرائع، وزواج المسيار قد يكون هو الوقاية والحماية من فعل الفاحشة.
أما قياسه على زواج المتعة، وزواج المحلل فغير مُسَلَّم أيضًا، وسوف تأتي مناقشة ذلك فيما بعد.
خامسًا: أن هذا الزواج يترتب عليه الإضرار بالزوجة الأولى؛ لأنه سيذهب إلى الزوجة الثانية دون علمها، وسيقضي وقتًا معها، ويعاشرها على حساب وقت وحق الزوجة الأولى في المعاشرة.
ولا تلازم أصلا بين كون الزواج مسيارًا وبين كونه زواجًا ثانيًا، بل قد يكون هو الزواج الأول، أو الثاني والزوجة على علم به.
وإن سلمنا أنه متزوج من أولى ويُخفي عنها زواجه من أخرى، فإن هذا لا يضر طالما أنه لم يُخِل بحق من حقوقها من نفقة أو مبيت أو غير ذلك.
سادسًا: أن هذا الزواج فيه مهانة للمرأة، وتهديد لمستقبلها بالطلاق إذا طلبت المساواة في القسم أو النفقة، وفيه استغلال لظروفها، فهي لو وجدت الزواج العادي لما قبلت بزواج المسيار.
ويُناقش هذا بأنه لا تلازم بين مطالبتها بحقها في القَسْم أوالنفقة وبين طلاقها، والطلاق قد يحدث لأي سبب آخر غير مطالبة الزوجة بحقها في المبيت أو النفقة.
سابعًا: إن هذا الزواج قد يكون وسيلة لابتزاز الرجل للمرأة ما دام يشعر أنها محتاجة إليه، وأن لديها مالا وثروة، فهو يضغط عليها ليبتزها ويستفيد منها.
ويُناقش هذا بأن ابتزاز المرأة قد يحدث في الزواج العادي أيضًا، بل يحدث كثيرًا، وكم من رجل ابتز زوجته وأخذ مالها، وبعد ذلك هجرها أو طلقها، فهذا الأمر مرجعه إلى الإيمان والأخلاق، ولا علاقة له بماهية الزواج.
ثامنًا: أن هذا الزواج ينافي ما قرره الله تعالى للرجل من قوامة على المرأة؛ لأنه لا يتحمل نفقة ولا سكنى، والله تعالى جعل قوامة الرجال على النساء بأمرين:-
أولهما: بما فضل الله بعضهم على بعض، أي: بما خص الله به الرجال من قدرة على التحمل والصبر، والثاني: بما أنفقوا من أموالهم، أي: ما أنفقوه من المهر والنفقة.
ويُناقش هذا بأن قبول الرجل تنازل المرأة عن النفقة لا يعني تنازله عن القوامة، فلا تلازم بين هذا وذاك.
 
(فصل في الفرق بين زواج المسيار وزواج المتعة)
نكاح المتعة هو قول الرجل للمرأة: أعطيك كذا على أن أتمتع بك يومًا أو شهرًا أو سنة أو نحو ذلك، سواء قدَّر المتعة بمدة معلومة كما هو الشأن في الأمثلة السابقة، أو قدَّرها بمدة مجهولة، كقوله: أعطيك كذا على أن أتمتع بك موسم الحج أو ما أقمت في البلد أو حتى يقدم زيد، فإذا انقضى الأجل المحدد وقعت الفرقة بغير طلاق.
ونكاح المتعة من أنكحة الجاهلية، وكان مباحًا في أول الإسلام ثم حُرِّم، وعلى هذا جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة([11]).
وقد قاس بعض المعترضين على زواج المسيار هذا الزواج على زواج المتعة فقال بتحريمه، ومما لا يخفى أن هناك فرقًا كبيرًا بينهما.
فزواج المتعة زواج مؤقت محدود بمدة معينة مقابل مهر أو أجر معين، والغالب أن يكون هذا الأجر أو المهر على قدر المدة، بخلاف المسيار، فهو غير مؤقت ولا تنفك عقدته إلا بالطلاق.
كما أنه لا طلاق يلحق بالمرأة المتمتع بها، بل تقع الفرقة مباشرة بانقضاء المدة المتفق عليها، وذلك بخلاف المسيار.
 
(فصل في الفرق بين زواج المسيار وزواج المحلَّل)
ذهب بعض المعترضين إلى قياس زواج المسيار على زواج المحلِّل الذي ذمه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعن فاعله.
ولكن يُرَد هذا بأن زواج المحلِّل غير مقصود لذاته، بل هو مراد لتحقيق هدف الرجل الآخر، الزوج السابق في استعادة امرأته.
أما زواج المسيار، فهو زواج مقصود، تفاهم عليه الرجل والمرأة، وقصداه، بعد أن تعارفا واتفقا، وهو زواج دائم، ككل زواج يعمد إليه المسلم والمسلمة، فالأصل في الزواج هو نية الاستمرار والبقاء.
على أن زواج المحلِّل نفسه فيه تفصيل وخلاف في بعض صوره، كصورة ما إذا أضمراه في أنفسهما، ولم يُذْكر في العقد، فقد أجازها بعض الفقهاء، وصورة ما إذا تزوجها بنية تحليلها لزوجها دون علمها. ([12]).
 
والخلاصة أن نكاح المسيار صحيح وجائز طالما استوفى أركان النكاح وشروطه المعتبرة في الشرع، وتنازل المرأة عن بعض حقوقها كحقها في المبيت والنفقة، أو أحدهما، لا يُبْطل العقد، مع العلم أن للمرأة المطالبة بحقها في المبيت والنفقة متى أرادت، وعلى الزوج حينئذ أن يلبي ذلك.
وهذا الزواج مع القول بإباحته إلا أنه لا بد من الأخذ في الاعتبار أنه إذا خُشي أن يؤدي انتشاره إلى ضرر أو فساد يهدد المجتمع -كأن ينصرف الناس عن الزواج العادي  ويتحولون إليه- فإن للحاكم حينئذ أن يمنعه؛ لأجل هذه العلة، وذلك من باب السياسة الشرعية، كما فعل سيدنا عمر رضي الله عنه حينما أمر حذيفة رضي الله عنه أن يفارق زوجته اليهودية، وقال: "إني أخشى أن تَدَعُوا المسلمات وتنكحوا المومسات" ([13])، مع أن الأصل فيه أنه مباح.
والله تعالى أعلى وأعلم                
      
 كتبه:
مصطفى عبد الكريم مراد (الباحث بقسم الأبحاث الشرعية)
6/ 8/ 2007م
 
راجعه:
أحمد ممدوح سعد (رئيس قسم الأبحاث الشرعية)


([1]) فتاوى معاصرة 3/291 .
([2]) المغني 7/72 .
([3]) صحيح البخاري (2318).
([4]) سنن الترمذي (3040)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب .
([5]) فتح القدير 3/249.
([6]) المغني لابن قدامة 7/72، بتصرف .
([7]) فتاوى معاصرة للشيخ القرضاوي 3/294.
([8]) المرجع السابق 3/295 .
([9]) متفق عليه: صحيح البخاري (4779)، وصحيح مسلم (1400) .
([10]) فتاوى معاصرة للشيخ القرضاوي 3/300، مع الشرح الكبير للشيخ الدردير 2/236 .
([11]) الموسوعة الفقهية الكويتية 41/333، 334 .
([12]) فتاوى معاصرة للشيخ القرضاوي 3/298، 299 بتصرف .
([13]) مصنف عبد الرزاق 7/176، وسنن سعيد بن منصور 1/193، ومصنف ابن أبي شيبة 3/474، والمعجم الكبير للطبراني 12/248، والسنن الكبرى للبيهقي 7/172.