الأتباع المخلصون..

الناقل : heba | المصدر : www.islammemo.cc

بعد أن تكلمنا عن الركن الأول لأي قائد ألا وهو صناعة الرؤية، موعدنا اليوم مع الركن الثاني من أركان القيادة، ألا وهي الأتباع المخلصون .

لكل قائد واقعي أتباع :


يقول بلانك: [ الأتباع هم العنصر الأساسي الذي يحدد كل القادة في كل المواقف، الأتباع هم الخلفاء الذين يمثلون الوجه الآخر والضروري لعملة القيادة ][[1]].

 

ويقول أيضًا: القائد يكون قائدًا عندما يكون لديه أتباع.

وهنا نريد أن نفرق في حديثنا بين نقطتين؛ بين الشخصية القيادية وبين القائد الفعلي الذي له أثر في الواقع.

أما النقطة الأولى وهي الشخصية القيادية فقد توجد شخصية قيادية فذة غاية في الذكاء، وقمة في القدرات والإمكانيات، ولكن ليس لديها أتباع مخلصون، ومن أمثلة ذلك بعض الأنبياء عليهم السلام الذين لم يتبعهم أحد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [[ عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد ]][[2]].

 إذًا قد توجد شخصية قيادية ولا يوجد لها أتباع، أما أن توجد قيادة عملية مؤثرة في الواقع ومغيرة له بشكل كبير-وهي النقطة  الثانية من حديثنا- فلا بد من وجود أتباع حوله، يلتفون حوله، ويقتنعون برؤيته، ويؤمنون بضرورة تنفيذها،           ويساعدونه على الوصول إليها في أرض الواقع.

وبالتالي يصح أن نقول هم [الأتباع] صانعو قيادته، لذلك فإن تفاعلهم معه واستجابتهم إليه أمر ضروري لا بد منه؛ حتى تتجسد القيادة على أرض الواقع وفق مبدأ توزيع الأدوار، إذ يكون هو النجم الطالع في الجماعة وهم يطوفون حوله، ويحققون له سلطته ونفوذه، وتأثيره في تسيير عجلة العمل إلى الأمام.

ويقول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: [ يقولون: 'إن الطائر يحتاج إلى جناحين  ليطير'، ولكننا عندما نتمعن في هذين الجناحين نجدهما يتكونان من عدد كبير من الريش، ولولا هذا الريش لما تمكن هذا الطائر من الطيران ]، ويقصد بهذا العدد الكبير من الريش فريق العمل المحيط بالقائد، المساعد له على تحقيق المهام .

ويقول د. طارق سويدان: [ لا تميز لقائد دون أتباع مميزين ][[3]].

وهكذا يتضح لنا أهمية وجود الأتباع وقيمتهم، ولعل هذا يجرنا إلى السؤال: أيهما أولًا؟ القائد أم الأتباع؟

يجيب عن ذلك د.طارق سويدان في كتابه صناعة القائد فيقول : [ القائد من يوجد أولًا، فالقائد هو الذي يصنع الأتباع ][[4]].

ويتابع قائلًا: [ فالقائد هو الذي يشكل الأتباع، فالقائد يقود ولا يتبع، وإن كان القائد يراعي ظروفهم، بل حتى القيم والمبادئ التي يحملونها، ويرفق بهم حتى يرفعهم إلى مستواه أو مستوى المهمة ][[5]].

وبعد أن تعرفت على ضرورة الأتباع؛ فعليك أن تعرف مكونات أي وضع قيادي باختصار.

مكونات الوضع القيادي :

هنالك ثلاث مكونات على الأقل تشكل الوضع الذي ستواجهه عندما تتخذ قرارًا يتعلق بالقيادة أو أنماطها،هذه المكونات هي:

أنت – القائد.

أتباعك  – وهم الذين سيساعدونك في إنجاز الأعمال المطلوبة.

الوضع نفسه – الهدف المراد تحقيقه، والعمل المطلوب إنجازه.

الآن، لنأخذ نظرة بسيطة لكل عنصر من عناصر الوضع القيادي.

أنت: مقدرتك على التأثير في أتباعك لها أثر كبير على مخرجات العمل المطلوب إنجازه، فكلما كان تأثيرك أكبر كلما كانت احتمالية المخرجات المرضية أكبر، وكلما زادت معرفتك بهم كلما زادت قدرتك على قيادتهم، لذلك عليك بمعرفة أتباعك.

أتباعك: من غيرهم لن تكون قائدًا واقعيًا، ومن غيرهم لن ينجز العمل، فقوتك مستمدة منهم، فيجب أن تكون احتياجاتهم موضع الاهتمام ليمكنك تحفزهم وتشجيعهم.

الوضع: عليك أن يكون الهدف واضحًا في ذهنك، وأن توضح لكل واحد من أتباعك الهدف المطلوب منه، ويفهم دوره بدقة شديدة ليقوم بإنجازه على الوجه الصحيح.

أهمية ترك انطباعات إيجابية  عند الأتباع :

يقول د. طارق سويدان: [ كل إنسان تقريبًا له تصوره الخاص عن القيادة، وبالتالي توقعاته عن القائد، بل حتى تخيله لشكل القائد وتصرفاته، وتشير الدراسات أن الناس يعتمدون كثيرًا على هذه التصورات في تحديد نجاح المنظمة، أو إعطاء انطباعهم الأول عن مدى فرصة نجاح شخص ما في قيادتهم، وأحد الأسباب التي تؤدي إلى هذا الحكم المستعجل هي أن النتائج تأخذ وقتًا طويلًا حتى تظهر إلى أرض الواقع، وبالتالي يلجأ الناس إلى الانطباعات لتشكيل حكم سريع على القائد وفعاليته، فإذا توافقت حقيقة القائد مع الصورة التي في أذهانهم؛ فعندها يعطونه الثقة ويتبعونه ][[6]].

وهكذا فمن المهم جدًا عليك كقائد أن تهتم بترك انطباعات جيدة في نفوس مرؤوسيك، ولذا احرص على أن تظهر أمام مرؤوسيك بمظهر إيجابي فعَّال، واهتم جدًا بمظهرك أمامهم، وكن منتعشًا مفعمًا بالطاقة والحيوية خلال تعاملك معهم؛  لينظروا إليك نظرة إعجاب وتزداد ثقتهم فيك.

يقول د. طارق سويدان: [ والإسلام يراعي مثل هذه النظرة، فهي طبيعة إنسانية، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون يختارون السفراء من بين الصحابة أصحاب الشكل الجميل أو الطول والمظهر الحسي، كإرسال المصطفى صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي إلى هرقل، بينما أثبت التاريخ أن أشخاصًا ليسوا بهذه المواصفات هم من القادة الأفذاذ كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ][[7]].

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا :مراعاة الصحابة رضي الله عنهم لمثل هذه الانطباعات، فقد طُلب من أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن يكلم بعض الأمراء حول أمر ضجروه منه، فقال : [ إنكم لترون أني لا أكلمه؟ إلا أُسمعكم إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابًا لا أكون أول من فتحه ][[8]].

فها هنا وضح هذا الصحابي الجليل لهؤلاء الشكاة أنه يقوم بالفعل بنصح هذا الأمير، ولكن في السر؛ حفاظًا على هيبته وانطباع الناس عنه؛ وحتى لا تفتح أبواب الفتنة.

وهكذا فالحذر كل الحذر أن يأخذ أتباعك انطباعًا سلبيًا عنك؛ وإلا فقد تفتح أبواب الفتنة بأن يظهر في هؤلاء الأتباع من هو غير مقتنع بك, ويراك غير جدير بالقيادة، وقد يقوم بنشر فتنة بين بقية الأتباع, مما قد يتسبب في انتفاض الناس من حولك وعدم اقتناعهم بك, ما لم تسارع في علاج هذه المشكلة واستدراكها.

أسد يقود أسودًا:

 يقول نابليون: [ جيش من الأرانب يقوده أسد خير من جيش من الأسود يقوده أرنب..! ][[9]].

والحقيقة أن الأفضل من ذلك هو: جيش من الأسود يقوده أسد.

هكذا ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رباهم أن يكونوا قادة، وهكذا عليك أن تجعل من أتباعك قادة، وأن تقودهم قيادة الأسد لمجموعة من الأسود لا قيادة الأسد لمجموعة من الأرانب، ولكن كيف يتحقق ذلك؟ هذا هو موضوعنا الحلقة القادمة إن شاء الله. 


 
[1]] صناعة القائد، طارق سويدان- فيصل باشراحيل, ص[75].