اليقين 2

الناقل : heba | الكاتب الأصلى : خالد بن عثمان السبت | المصدر : www.islammemo.cc

ثامناً: الطريق إلى اليقين:كيف نصل بأنفسنا إلى اليقين؟ كيف نتربى على اليقين؟.. كيف نرتقي بإيماننا إلى هذه المرتبة؟
أعظم ذلك: أن نعلم أن التوفيق بيد الله عز وجل، وأن المواهب بيده، فما على العبد إلاّ أن يلتجأ إليه، وأن يصدق في الإقبال عليه، فيسأل ربه قائماً، قاعداً أن يرزقه الإيمان الكامل، واليقين الجازم الراسخ الذي لا يتزعزع. [انظر: مدارج السالكين 2/302] . ومع ذلك أيضاً يبذل الأسباب التي توصله إلى هذه المرتبة، ومن هذه الأسباب:

الأول: وهو أول درجات اليقين: العلم: فهو يستعمله، فأن تعمل بمقتضى هذا العلم، واليقين يحملك كما قال بعض السلف:'العلم يستعملك –فتعمل بمقتضاه- واليقين يجملك'[مفتاح دار السعادة 1/154].  فيندفع العبد للعمل، ويُقدم، وينفق ماله الذي يكون حبيباً إلى قلبه؛ لأنه يتيقن بالجزاء، ويعلم أن من أعلى المراتب والمنازل عند الله عز وجل مرتبة الشهداء، فيبذل نفسه رخيصة في سبيل الله تبارك وتعالى- والنفس هي أحب الأشياء إلى الإنسان- :

لولا المشقة ساد الناس كلهم          الجود يُقفر والإقدام قَتَّالُ

فالمال حبيب إلى النفوس، والنفوس أيضاً عزيزة على أصحابها، فالعبد يعلم أن بذل المال سبيل إلى التقرب إلى الله عز وجل، وأن الله يُربِّي الصدقة، ويعلم أيضاً: أن الشهيد يُغفر له من أول قطرة من دمه، ويشفع في سبعين من أهله، وما إلى ذلك من فضائله، يعلم هذه الأشياء، فالعلم يستعمله، ولكنه قد لا يُقدم على هذه الأمور التي تحتاج إلى تضحيات كبيرة، لا يقدم عليها؛ لأنه لم يتيقن، ولم يصل إلى مرتبة اليقين.

وأما صاحب اليقين، فإنه يُحْمَلُ على ذلك حملاً، فلا يقف إلى حد العلم فيكون ذلك معلوماً له فحسب، بل إن يقينه يحمله على الامتثال والإقدام والعمل، ولو كان ذلك في سبيل إزهاق نفسه، وإتلاف ماله، وإنفاقه أجمع، فله يقين راسخ أنها مخلوفة، وأنها معوضة، وأنه سيلقى عائدة ذلك في يوم هو أحوج ما يكون إليه، وأن الإنسان ليس له إلا موتة واحدة، فيقول: يا نفس هل لك موتتان؟ ولهذا فإن العلم إذا رسخ؛ أثمر اليقين الذي هو أعظم حياة القلب، وبه طمأنينته وقوته ونشاطه[انظر:مفتاح دار السعادة 1/154] .

وهذا العلم الذي يحتاج إليه العبد ليصل إلى مرتبة اليقين يشمل: العلم بالله عز وجل، ويشمل العلم بالله عز وجل: علمه بأنه المألوه المعبود وحده لا شريك له، وأنه لا يستحق العبادة أحد سواه، فلا يلتفت قلبه إلى أحد من الخلق، ولا يتعلق بهم، وهو يعلم أيضاً ربوبية الله عز وجل للكائنات، وأن أَزِمَّة الأمور بيده، وأنه مدبر هذا الكون ومُصَرِّفه، وأن الخلق عبيده يربهم ويتصرف بهم، إذا علم العبد ذلك اطمأن إلى رزقه؛ لأن الأرزاق بيد الله، فهذا من معاني ربوبية الله عز وجل، وإذا علم العبد ذلك اطمأن إلى أجله؛ لأن الآجال بيد الله عز وجل، وإذا علم العبد ربوبية الله عز وجل؛ اطمأن إلى أقداره، وإلى عطاءه ومنعه، فلا يعترض على الله، ولا يقترح، ويتقدم بين يدي الله عز وجل، ولا يسيء الأدب معه

 


والعلم بالله يشمل أيضاً: العلم بأسمائه وصفاته، فيعلم أن الله هو العظيم الأعظم، فلا يعظم أحد في عينه عظمة لا تصلح إلا الله، ويعلم أن الله عز وجل هو الجبار القاهر، القادر القوى المتين، فلا يهاب المخلوقين، وإنما يعظم الخوف من الله عز وجل في نفسه، ويعلم أن الله هو الرقيب، فلا تمتد عينه إلى الحرام، ولا تمتد يده إلى الحرام، ولا تخطو رجله إلى الحرام؛ لأن يقينه راسخ بأن الله هو الرقيب، وأن ما يخفى على المخلوقين لا يخفى على الله جل جلاله؛ فتسكن جوارحه، وتلتزم طاعة ربها ومليكها، فلا يصدر منه شئ ينافي هذا الإيمان، وهذا اليقين الذي وقر في قلبه بمعرفته بأوصاف الله عز وجل الكاملة، وإذا عرف أن ربه قوي؛ عرف أن ربه قادر على أن يمنعه من كل المخاوف، وأن الله قادر على حفظه، فهو يلجأ إلى ركن قوى، فيفوض أموره إليه، فيكون بذلك متوكلاً على الله لا متوكلاً على ذاته، ويكون متوكلاً على الله لا متوكلاً على أبيه، ويكون متوكلاً على الله لا متوكلاً على ذاته، ويكون متوكلاً على الله لا متوكلاً على أبيه، ويكون متوكلاً على الله لا متوكلاً على ذكائه، ويكون متوكلاً على الله لا متوكلاً على سوقه ومتجره ومصنعه.

 

إذا عرف العبد ربه معرفةً صحيحة بأسمائه وصفاته؛ فإن قلبه ينشرح بذلك، ويطمئن إلى ربه أنه كامل من كل وجه، وأن كل افتقار ينبغي أن يوجه من العبد إلى الرب، فيجد من ربه الإغناء والعطاء، والدفع والمنع، ويجد كل مطلوب له، وإذا عرف العبد هذه الحقائق؛ فإنه يرضى بالله عز وجل رباً، ويذوق حلاوة الإيمان بهذا الرضا: [ ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا...] رواه مسلم . ويؤمن بقضاء الله وقدره، فتمر به الآلام والمصائب، والأمور المكروهة. وهو ساكن مطمئن لا يتزعزع ولا يصدر منه ما يصدر من السفهاء الذين لم يعرفوا الله عز وجل المعرفة اللائقة به

،

وهذا العلم أيضاً كما أنه علم بالرب المعبود أيضاً هو علم بالنفس وبالخلق: فيعلم قدر نفسه وضعفه وعجزه، فلا يركن إلى نفسه، ولا يركن إلى المخلوقين؛ لعلمه أنهم مربوبون، وأن الله عز وجل يصرّفهم ويدبّرهم، وأنه بيده ملكوت كل شئ، فالمخلوق ضعيف عاجز لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فكيف يملك لغيره؟! ومن ثم فلا يمتد طمعه إلى أحد من هؤلاء الضعفاء العاجزين، وإنما يكون ملتفتاً إلى الله عز وجل، ولهذا قال بعض أهل العلم:'إذا أردت اليقين فكن أفقر الخلق إلى الله' مع أن الله أغنى ما يكون عنك .

الثاني: مما يقوى اليقين في نفس الإنسان: دفع الواردات والخواطر والأمور المنافية له: ولهذا كان جهاد الشيطان على مرتبتين اثنتين: جهاده فيما يُلقيه من الشبهات والوساوس والخواطر المزعزعة لليقين، فهذا لا يسلم منه إلا إذا دفعه العبد، وجاهد هذا الشيطان بدفع هذه الخواطر والوساوس والشُبه، فلا يقرأ في كتب الشُبه، ولا يناقش أهل الشُبه، ولا يسمع منهم، ولا يجعل قلبه عرضة لكل آسرٍ وكاسرٍ وقاطع طريق، فلا يدخل في المنتديات في شبكة الإنترنت التي تُلقى الشُبه من قِبَل زنادقة، ومن قِبَل ضُلال ممن ينتسبون إلى الإسلام، أو ينتسبون إلى غيره، فلا يجعل قلبه عرضة لسهام هؤلاء، فقد يدخل فيه شئ ولا يخرج منه؛ ولذلك فإن من الأمور المهمة التي تُعين العبد على الوصول لمرتبة اليقين هو أن يدفع الخواطر والوساوس، وأسباب الشكوك والشبهات، فإذا دفع العبد الشُبه عن قلبه، والشكوك والوساوس؛ فإن ذلك يورثه يقيناً، كما أنه إذا جاهد الشيطان في باب الشهوات؛ فإن ذلك يُورثه صبراً كما قال شمس الدين ابن القيم –رحمه الله-[ زاد المعاد 3/10] . ولهذا كانت الإمامة في الدين تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.

الأمر الثالث: من الأمور الموصلة لليقين: العزم الجازم الذي لا تردد فيه في العمل بمرضاة الله عز وجل: فيُقدم العبد على ذلك من غير نظرٍ في الحسابات، فالذي يجلس قبل أن يتوب، وقبل أن يُصحح العمل، أو قبل أن يتصدق، أو قبل أن يصوم يوماً في سبيل الله عز وجل يحسب الأرباح والخسائر؛ قد لا يعمل، وقد لا يتوب، وقد تفوته فرصة الحياة، وهو لم يتقرب إلى الله عز وجل كثيراً، وإنما العبد بحاجة إلى الإقدام والجزم، ولهذا قال بعض أهل العلم:' الاهتمام بالعمل يورث الفكرة، والفكرة تورث العبرة، والعبرة تورث الحزم، والحزم يورث العزم، والعزم يورث اليقين، واليقين يورث الغنى –فلا يلتفت ولا يفتقر إلى أحد سوى الله عز وجل- والغنى يورث الحب، والحب يورث اللقاء'.

وأمر رابع: من الأمور التي يُحصل بها اليقين: مفارقة الشهوات والحظوظ النفسانية: فإذا كان العبد منغمساً في شهواته، فأني له باليقين؟ وقد قال ابن القيم –رحمه الله- في هذا المعنى: أصل التقوى مباينة النهي، وهو مباينة النفس، فعلى مفارقتهم النفس وصلوا إلى اليقين.

والأمر الأخير: مما يورث اليقين في قلوبنا، ويكون سباً إلى تحصيله: التفكر في الأدلة التي توصل إلى اليقين: فكلما تواردت البراهين المسموعة، والمعقولة، والمشاهدة على قلب الإنسان؛ كلما كان ذلك زيادة في يقينه وإيمانه، وهذا شئٌ مشاهد، فكثير من الأشياء التي في حياتنا والتي نعايشها، وكثير من الأمور التي شاهدناها، أو التي لم نشاهدها: كيف تيقناها؟ كيف حصل فيها هذا اليقين؟ والله عز وجل قد أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً، فكيف حصّلنا اليقين فيها؟

حصّلنا هذا اليقين: إما بالمشاهدة بعد أن كان ذلك معلوماً، أو بالمشاهدة ابتداءً، أو أننا حصلنا اليقين بتوارد الأدلة، فنعلم أن هذا الأمر حق لا يقبل الجدل، وأنه شئٌ ثابتٌ راسخ لا يقبل التشكيك.  مع أن هذا الأمر قد يكون في نفسه باطلاً، وقد يكون لا حقيقة له، ومع ذلك تجد الإنسان متيقناً له، وعلى سبيل المثال ما ذكرته في أول مجلس من هذه الدورة أين عقل الإنسان؟! كثير من الناس عنده يقين أن عقله في دماغه مع أن الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن العقل في القلب، فكيف وُجد هذا اليقين عند كثير من الناس؟ كيف وُجد عندهم هذا اليقين في قضية غير حقيقية، وليست بصحيحة أصلاً؟ بتوارد ما توهموه أنه أدلة، حتى صار ذلك عندهم لا يقبل التشكيك، ولهذا تجد الواحد من هؤلاء يستغرب كل الاستغراب، ويستنكر سماع ما يخالف هذه الحقيقة التي رسخت في نفسه.

النقطة التاسعة ثمرات اليقين: والأمور التي يؤثرها في سلوك الإنسان، وفي قلبه، وفي سائر تصرفاته وأعماله:

أولاً: أن اليقين إذا وصل إلى قلب الإنسان؛ امتلأ قلبه نوراً وإشراقاً، وانتفى عنه أضداد ذلك من الشكوك والريب والشبهات التي تقلقه: فيكون القلب مستريحاً مطمئناً، فيرتفع عنه السخط والهم والغم الذي يجلبه الشك والريب، فيمتلأ قلبه محبة لله، وخوفاً منه، ورضاً به، وشكراً له، وتوكلاً عليه، وإنابة إليه. فهو مادة جميع المقامات، والحامل لها، كما قال ابن القيم رحمه الله [مدارج السالكين 1/398]. بخلاف الريب والشك والتردد، فإنه يورث قلقاً في القلب، وضجراً وألماً، والشاك المرتاب يحصل له من ألم القلب ما الله به عليم، حتى يحصل له العلم واليقين، ولهذا كان الشك يوجب له حرارة، وأما اليقين فيوجد له برداً في قلبه ولهذا يقال:' ثَلَجَ صدرُه..وحصل له برد اليقين' [انظر: بإغاثة اللهفان 1/19-20]. فتزول عنه هذه الأمور التي تعصر القلب، وتؤلمه، وتعصف به، يقول ابن القيم [الوابل الصيب ص 69-70] رحمه الله تعالى، واصفاً مثالاً واقعياً شاهده على سكون صاحب اليقين، وعلى طمأنينته، وعلى رضاه الكامل، وعلى انشراح صدره وسروره وتنعمه -وهذا المثال هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- يقول ابن القيم: سمعته قدس الله روحه يقول:'إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة'.

 

يقول ابن القيم: وقال لي مرة:'ما يصنع أعدائي بي؟! إن جنتي وبستاني في صدري أنَّى رحتُ، فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خَلْوَة، وقتلى شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة'. وكان يقول في محبسه في القلعة:'لو بَذَلْتُ ملئ هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: 'ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا'. -نعمة السجن- التي أورثته خلوة بربه، فحصل له من الأمور التي تورثه اليقين ما الله به عليم.  وكان يقول في سجوده وهو محبوس:'اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك'. كان يردد ذلك.

وقال لابن القيم مرة:'المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه'. هذه حقيقة الأسر، فإذا كان الإنسان مأسور البدن إلا أن قلبه طليق مرتبط بالله عز وجل، فأي أسر مع هذا الاستشعار؟! قلبه مرتبط بيد الله، فهو يعلم أن هؤلاء الذين أسروه أمرهم بيد الله، وأنهم خلق ضعفاء، وإنما ابتلاه الله عز وجل بهم؛ لينقله إلى مراتب في الجنة لا يبلغها بعمله، ولهذا يتمنى أهل البلاء في الدار الآخرة أن لو قرّضوا بالمقاريض؛ لما يرون من الجزاء على هذا البلاء، فهو يشاهد هذه الحقائق... نعم قد أسره عدوه، ولكنه يعلم أن حركات هذا العدو وسكناته، وأن هذه القيود التي توضع في يده ورجليه أن الله عز وجل قد قدر ذلك، وأنه لا يَدَ لَهُ هو في دفعه ورفعه عن نفسه، فهو يتقلب في مرضاة الله عز وجل، ويسكن عند ذلك، ويعلم أن الله عز وجل ما فعل به ذلك ليهلكه، وإنما فعل به ذلك ليرفعه، وليعلى درجته، وأن هذا من جهاده ومن تمام عمله، وأن أجره يجرى عليه بلا توقف، فإذا استشعر العبد هذه الأمور لربما تمنى دوامها مع دفع بعض الأمور العارضة التي قد لا يرتضيها إذا كان الذي أسره أحد من الكافرين لئلا يكون للكافر عليه سبيل. 

 

يقول ابن القيم رحمه الله يصف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: لما دخل إلى القلعة –سجن القلعة- وصار داخل سورها نظر إليه- ماذا قال؟ هل جزع؟ هل قال: أنا مستعد للمساومة؟ أنا مستعد لتراجع عن هذه العقيدة التي أعلنتها أمام الناس ودعوت الناس إليها؟ أبداً-  نظر إلى السور، وقال:} فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ[13] {[سورة الحديد]. لاحظ هذا الاستشعار حينما أُدخل في سجن القلعة، فنظر إلى سورها لم يَخَفْ، وما قال: يا لهف نفسي ما الذي فعلته بنفسي؟ وماذا فعل بي أعدائي؟ما جزع، وإنما قال لما نظر إلى السور: :} فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ[13] {[سورة الحديد]. ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله، واصفاً له:' وعَلِمَ الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مع كل ما كان فيه من ضيق العيش،

 

وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً وأسرّهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه'.  يقول:'وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه؛ فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً، وقوةً، ويقيناً، وطمأنينةً، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها، ونسميها، وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها، وإذا وصل العبد إلى مرتبة اليقين اندفعت عنه الشكوك والريب، ولهذا قال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه الله- وهو واعظ دمشق-:'يسير اليقين يُخرج كل شك من القلب' [نزهة الفضلاء [955]].

كما أنه يجعل صاحبه يُفرّق بين الحق، وبين ما يُلبسه الشيطان على الجُهال من العُبّاد وغيرهم: ولهذا كان بعض المُتقدمين يُصلى ويختم كل ليلة في مسجده، وكان على مرتبة عظيمة من العبادة: من صلاة، وتهجد، وصيام، وقراءة القرآن، فرأى ليلة نوراً قد خرج من حائط المسجد وقال:تَمَلاَّ من وجهي فأنا ربك .- ومعلوم أن الله عز وجل لا يُرى في الدنيا- فماذا فعل هذا الرجل- وهو أحمد بن تزار القيرواني؟- فبصق في وجهه وقال: اذهب يا ملعون.  فانطفأ النور الذي في الحائط. فهذا الشيطان تمثل، وأراد أن يخدعه، وأن يضله، فجاءه بهذه الصورة، فلما كان هذا راسخ الإيمان، ثابت اليقين لم يلتفت إلى هذا العارض، وما صرفه عن طاعة الله عز وجل، وما عرف عن ربه تبارك وتعالى.

الأمر الثاني مما يورثه اليقين: هو الهدى والفلاح في الدنيا والآخرة[زاد المعاد 4/215]: ومعلوم أن الفلاح هو تحصيل المطلوب، والنجاة من المرهوب، ولهذا قال الله عز وجل عن المؤمنين:} وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ[4]أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[5]{ [سورة البقرة]. وقد جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه-مرفوعا- فيما أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والبخاري في الأدب المفرد- قال: [سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَ الْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ أَفْضَلَ مِنْ الْعَافِيَةِ].

 يقول ابن القيم رحمه الله في 'زاد المعاد': لا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا من قلبه وبدنه'[ انظر: مدارج السالكين 2/397] .

ويقول شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مبيناً لطيفة تتعلق بآية من كتاب الله عز وجل، فالله عز وجل يقول: } الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ[22]عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ[23]تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ[24]يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ[25]خِتَامُهُ مِسْكٌ [26]  {[سورة المطففين]. أي أن آخره يكون بطعم المسك، وقال:} وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ[27]عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ[28]{ [سورة المطففين]. فالتسنيم هي عين يشرب بها المقربون من عباد الله عز وجل في الجنة، وأولئك الأبرار يشربون من شرابٍ من خمرٍ ممزوجة مخلوطة بالتسنيم، وليست تسنيماً صافياً خالصاً، يقول شيخ الإسلام:'وذكر سبحانه أن شراب الأبرار يُمزج من شراب عباده المقربين؛ لأنهم مزجوا أعمالهم..، ويشربه المقربون صِرْفاً خالصاً كما أخلصوا أعمالهم، وجعل سبحانه شراب المقربين من الكافور الذي فيه من التبريد والقوة ما يناسب برد اليقين وقوته؛ لما حصل لقلوبهم، ووصل إليها في الدنيا، مع ما في ذلك من مقابلته للسعير- ويشير إلى قوله تبارك وتعالى: } إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا[5]{ [سورة الإنسان]. فالجزاء من جنس العمل، فلما حصل لهم برد اليقين حصل لهم أيضاً برد هذا الشراب من الكافور في الجنة' [دقائق التفسير 3/22].

الثالث: من الأمور التي يثمرها اليقين في سلوك الإنسان: أنه يورثه الزهد في الدنيا وقصر الأمل: فلا تتعلق نفسه بها، ولا يتشبث بُحطامها، وإنما يكون زاهداً فيها؛ لأنه يعلم أنها ليست موطناً له، ولأنه يعلم أنها دار ابتلاء، وأنه فيها كالمسافر يحتاج إلى مثل زاد الراكب، ثم بعد ذلك يجتاز ويعبر إلى دار المقام، فهو بحاجة إلى أن يشمر إليها، وأن يعمل لها، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: [ قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ] فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ: [نَعَمْ] قَالَ: بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ] قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ: [فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا] فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. رواه مسلم .

فما الذي جعل هذا الإنسان يعد هذه اللحظات- التي لربما لا تتجاوز الدقائق القليلة يعدها- حياة طويلة؟! وما الذي جعل الإنسان الآخر لربما عاش مائة سنة ومع ذلك هو متمسك بالدنيا، وبالحياة بيديه ورجليه؟ ما الذي يجعل هذا بهذه المثابة، والآخر بتلك المثابة؟! يقول بلال بن سعد رحمه الله:'عباد الرحمن اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار، ولأيام طوال، في دار زوال لدار مقام، ودار حزن ونصب لدار نعيم وخلد، ومن لم يعمل على اليقين، فلا يغتر؛ لأن المصير حتماً سيقع إما إلى الجنة وإما إلى النار'. وكان يقول:'كأنّا قومُُ لا يعقلون، وكأنّا قوم لاُ يوقنون'.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن الذي يجعل الإنسان يتشبث بهذه الحياة الدنيا هو ما غُرس في قلبه من محبتها، وما زُيِّن في نفسه من شأنها، وكذلك ما يتعلق بها من محبة الإنسان للثناء والحمد . يقول:'ما تأخر من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء، وثناء الناس عليه، ونفرته من ذمهم، فإذا زهد في هذين الشيئين تأخرت عنه العوارض كلها'[ مدارج السالكين 2/302] .

وهذا يعنى: أنه يُشمر في أمر الآخرة، ولهذا فإنه لا ينتهي بهذه الدنيا، ويتكاثر فيها مع من يتكاثر، ويتكالب على حطامها إلا من كانت الغفلة غالبة على قلبه، وكان اليقين مُترحِّلاً عنه، ولهذا يقول الله عز وجل:}...كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ[136]{ [سورة الأعراف] . ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: [...لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا] رواه البخاري ومسلم. وما وجد هذا التكاثر والإلهاء عما هو أولى بالخلق منه من العمل للآخرة، والسعي لتحصيل دار الكرامة إلا لاختلال اليقين في النفوس [مجموع الفتاوى 16/517 – 518].

وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات التي لا يُشك ولا يُمارى في صحتها وثبوتها، ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وبشاشته؛ لما ألهاه عن موجبه، وترتب أثره عليه، فإن مجرد العلم بقبح الشيء، وسوء عواقبه قد لا يكفى في تركه، فإذا صار له علم اليقين؛ كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد، فإذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف موجبه عنه من أندر شيء، وفي هذا المعنى قال حسان رضى الله عنه فيمن قُتل من أهل بدر من المشركين:

سرنا وساروا إلى بدر لحتفهُمُ      لو يعلمون يقين العلم ما ساروا

هكذا قال ابن القيم رحمه الله في كتاب 'عدة الصابرين'[ عدة الصابرين ص 156 – 157] .

وهذا المثال يبين أثر اليقين في سلوك العبد، حيث يزهده فيما في أيدي الخلق: دخل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي الكعبة، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، فقال له:'سلنى حاجة –فرصة ثمينة الخليفة يعرض عليه أن يسأله ما شاء، اطلب، فماذا قال؟- قال:'إني لأستحي من الله أن أسال في بيته غيره'. فلما خرجوا قال له:' فالآن سلني حاجتك، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم حوائج الآخرة؟– طبعاً حوائج الآخرة لا سبيل إليها، لا سبيل إلى تحصيلها من قِبَل المخلوقين، هم لا يستطيعون أن يعطوك شيئاً من أمور الآخرة-  قال:' بل من حوائج الدنيا' قال:' والله ما سألت الدنيا من يملكها –يعنى الله، يقول: أنا ما دعوت قط ربي أن يعطيني شيئاً من حُطام الدنيا- ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها!'.

لاحظتم.. اليقين كيف يؤثر؟ هذه فرصة ثمينة لا تعوض عند كثير من الناس، يعرض عليه الخليفة، أو الملك أن يطلب ما شاء، فهذا يأبى أن يسأل حاجة من هذا المخلوق، ولذلك قيل:'أنفع اليقين ما عَظَّم الحق في عينك -
أن تُعظّم الله عز وجل، وتُعظّم أمر الله جل جلاله- وصغّر ما دونه عندك- فمن الخلق؟ وما غنى الخلق؟ ماذا عندهم إزاء غنى الله عز وجل؟ - وثبّت الرجاء والخوف في قلبك' .

*  أمر رابع مما يثمره اليقين: الانتفاع بالآيات والبراهين[انظر: مدراج السالكين 2/397]: فالله عز وجل يقول:} وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ[20] {[سورةالذريات] نحن نشاهد الإنسان الذي عنده يقين راسخ إذا مر بآية من الآيات الكونية، أو مر بآية من الآيات الأرضية، إذا شاهد مكاناً للمعذبين؛ فإنه يرق قلبه، وتتمالكه مشاعر كثيرة لا يستطيع أن يُعبر عنها، ولربما دمعت عينه وبكى، وأما الآخر: فهو ينظر إلى هذه الأشياء، وقد علق كاميرا في عنقه، يضحك ملء فيه، ولا يُحرك ذلك في قلبه ساكناً، فالآيات إنما تُؤثر وتُحرك نفوس أصحاب اليقين، أما أهل الغفلة، فإنهم لا ينتفعون بها؛ ولهذا يقول الله عز وجل: } وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ[105] { [سورة يوسف] .
 الخامس: مما يؤثره اليقين: الصبر: ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن له، ويتنعم به، ويغتذي به وهو اليقين [الاستقامة 2/261]. والعبد إذا كان فارغ القلب؛ لم يصبر، وإنما إذا كان له شئ يتنعم به، ويتلذذ به، ويركن إليه؛ فإنه يركن، ويصبر، ويسكن، فلا يصدر منه شئ يخالف مقتضى الصبر.

وعلى حسب يقين العبد بالمشروع؛ يكون صبره على المقدور، كما قال الله عز وجل: } فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ[60] {[سورةالروم] فأمره أن يصبر، وأن لا يتشبه بالذين لا يقين عندهم لعدم الصبر، فإنهم كما قال ابن القيم رحمه الله:'لعدم يقينهم عُدِمَ صبرهم، وخفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم اليقين والحق؛ لصبروا، وما خفوا ولا استخفوا، فمن قل يقينه؛ قل صبره ومن قل صبره؛ خف واستخف، فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب، وعقل، ومن لا يقين له، ولا صبر عنده؛ خفيف طائش، تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف'[ التبيان في أقسام القرآن ص 55]. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إِنِّي آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَتَهَافَتُونَ تَهَافُتَ الْفَرَاشِ]رواه البخاري ومسلم –بنحوه- . شبههم بالفراش لخفتها، وسرعة حركتها وانتشارها، وهي صغيرة النفس، جاهلة بمصالحها، تتهافت في النار؛ لأنها تنجذب إلى النور، وإلى الضياء، ويكون سبباً لإحراقها، يقول ابن القيم رحمه الله:'ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه: إنه استخفه. وقال الله عن فرعون بأنه:} فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ...[54] { [سورة الزخرف]. والخفيف لا يثبت بل يطيش، وصاحب اليقين ثابت'[ الفوائد 211 – 212]  .

 ويقول في موضع آخر:'لذة  الآخرة أعظم وأدوم، ولذة الدنيا أصغر وأقصر، وكذلك ألم الآخرة وألم الدنيا، والمعول في ذلك على الإيمان واليقين، فإذا قوى اليقين، وباشر القلب؛ آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتمل الألم الأسهل على الأصعب'[ الفوائد ص201]  . ولهذا قال بعض الزهاد العبّاد من المتقدمين:'تَرِدُ عليّ الأثقال –يعنى من المصائب والآلام- التي لو وضعت على الجبال تفسخت، فأضع جنبي على الأرض وأقول –مُثَبِّتاً لنفسه-}فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[5]إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[6]{ [سورة الشرح] . ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني'[ نزهة الفضلاء [1575]]  .

والعبد يجب عليه أن يروّض نفسه على الحد الأدنى وهو الصبر؛ لأنه ليس دون الصبر إلا الجزع والسخط، فيذهب الأجر، ولا يُسترد  المفقود، ما ذهب لا يرجع، ما فات فإنه لا يمكن أن يعود، وبالتالي ليس على العبد إلا أن يصبر؛ ليؤجر على هذه المصيبة. وأما إذا تسخط، فإنه يأثم، ويفوته الأجر، والنهاية أنه يسلو سلو البهائم من غير احتساب ولا صبر، ولهذا قال بعض خلفاء بني العباس –وهي كلمة حق- يقول:'أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يُدبر' يعني: ما قدره الله كائن لا محالة، ولا سبيل إلى دفعه، فعليك أن تستقبله بالرضى والتسليم.. يقول:'وإذا أدبر أن يُقبل'.
فإذا مات لك حبيب، فلا يمكن أن يرجع من جديد إلى هذه الحياة الدنيا، فليس عليك إلا الصبر.  وكان عطاء الخراساني رحمه الله لا يقوم من مجلسه حتى يقول:'اللهم هب لنا يقيناً بك حتى تهون علينا مُصيبات الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يُصيبنا إلا ما كُتب علينا، ولا يأتينا من هذا الرزق إلا ما قسمت لنا به'.

إذا وُجد عند العبد اليقين أن هذه الأرزاق قسمها الله بعلم وحكمة، وأن الإنسان كُتب له رزقه وهو في بطن أمه، فالرزق لا يجلبه حرص حريص؛ فإنه لا يتهافت على الدنيا، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [...اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ...]رواه ابن ماجة. فما قُسم لك من هذا الرزق؛ سيأتي إليك، ولو اجتمع من بأقطارها على أن يمنعوا منك شيئاً من هذا الرزق الذي كتبه الله عز وجل لك، لا يمكن أن يمنعوه، فلماذا التهافت على الدنيا؟ ولماذا الحرص الذي يُخرج الإنسان عن الاقتصاد في الطلب، وعن التزام أخذ الحلال دون غيره مما حرم الله تبارك وتعالى؟!

السادس: مما يورثه اليقين- وهو مرتبه فوق الصبر-: الرضا بما قدر الله عز وجل وأعطى وقسم: فاليقين هو أفضل مواهب الله عز وجل على العبد، ولا يمكن أن تثبت قدم الرضا إلا على قاعدة اليقين ودرجته، فمن لا يقين عنده لا يمكن أن يصبر، فضلاً أن يرتقى إلى درجة الرضا بما قدر الله عز وجل عليه من الآلام والمصائب والمحن والبلايا، وما قدر الله عليه من الفقر والمرض، وما أشبه ذلك، الله يقول:} مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ...[11]{ [سورة التغابن].  يقول ابن مسعود:'هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويُسلّم'. ولهذا لم يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم إلا باليقين .[ مفتاح دار السعادة 1/154] .وهذا الرضا يكون بقضاء الله عز وجل.

وهذه محاورة وقعت بين الحسن بن على رضى الله عنه، وبين من نقل كلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: أبو ذر رضى الله عنه كان يقول:'الفقر أحب إلىّ من الغنى، والسقم –يعنى المرض- أحب إلىّ من الصحة'  فلما بلغ ذلك الحسن بن على رضى الله عنه قال:'رحم الله أبا ذر، أمّا أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له؛ لم يتمنَّ شيئاً'. وهو حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء، فلا يتمنى أن هذا الأمر من الأمور التي يحُبها من عاجل الدنيا ونعيمها وقع له، ولا يتمنى أيضاً أن هذه المصيبة والألم لم يقع له، وإنما هو راضٍ بما قسم الله عز وجل له، ولهذا يقول: سفيان الثوري رحمه الله - وقد قال له الربيع بن خُثيم:' لو تداويت' أصابه مرض فقال له: لو تداويت، مع أن العلاج والتداوي مباح- فقال:' ذكرت عاداً، وثموداً، وأصحاب الرس، وقروناً بين ذلك كثيراً، كان فيهم أوجاع، وكانت لهم أطباء، فما بقى لا المداوي ولا المداوي' . كلهم قد أفناهم الله عز وجل، فيرضى العبد بما قضى الله عز وجل عليه من ذلك كله.

وهذا سعيد بن جُبير رحمه الله، إمام من أئمة التابعين لدغته عقرب، فأصرت أمه عليه أن يسترقي، ومعلومٌ أن من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عقاب، الذين لا يسترقون: لا يطلبون الرقية، فلما أصرت أمه، أراد أن يُطيّب خاطرها، فأعطى الراقي يده الأخرى التي لم تُصب بلدغة هذا العقرب، وترك اليد الأخرى، فعل ذلك؛ إرضاءً لأمه، وجبراً لخاطرها، وتطييباً لنفسها، ولم يفعل الأمر الذي كان يتنافى عنده مع كمال التوكل . 

وهذا يونس بن عُبيد كتب إلى ميمون بن مهران، عالم، عابد، بعد طاعون كان ببلادهم يسأله عن أهله، فكتب إليه ميمون بن مهران يقول:' بلغني كتابك، وإنه مات من أهلي، وخاصتي سبعة عشر إنساناً بهذا الطاعون، وأني أكره البلاء إذا أقبل، فإذا أدبر لم يُسرني أنه لم يكن'. يقول: أنا راضٍ بما قسم الله عز وجل، وهكذا يرضى العبد الموقن بما قسم الله عز وجل له من الرزق، ولهذا يقول أبو حازم رحمه الله:' وجدت الدنيا شيئين: فشيء هو لى، وشيء لغيري، فلو طلبته بحيلة السموات والأرض؛ لم أصل إليه'. يعنى: الذي كُتب لغيري من الرزق لو طلبته بحيلة السموات والأرض لم أصل إليه، فيُمنع رزق غيري مني كما يُمنع رزقي من غيري . يقول: ما كتب لي لابد أن يأتي، ولو اجتمع من بأقطارها ليمنعوه. وما كان مكتوباً لغيري لا يمكن أن يصل إليّ.

فلا حاجة للعبد أن يتسخط، ويتذمر على بيعةٍ باعها، فندم عليها، فيأكله الندم طوال حياته، ولربما حدّث أبناءه وأحفاده بهذه الأرض التي باعها قبل خمسين سنة ببيعةٍ زهيدة، هي لم تُكتب لك، فلا حاجة للتحسر، هي مكتوبة لفلان فلا يمكن أن تصل إليك، هذا فضلاً عن الحرام، فالإنسان قد يخرج من العمل في ساعات العمل، وقد يغيب ويسجل له مدير المدرسة، أو المديرة تسجل لهذه المعلمة أنها حضرت هذه الأيام وتُعطى من الراتب، هذا المال الذي وصل إليها سيصل، فإن صبرت؛ سيصلها عن طريق الحلال، فإن لم تصبر؛ فإنها تأخذه عن طريق الحرام، وما لم يُكتب، فإنه لا يصل بحالٍ من الأحوال، فعلى العبد أن يتقى ربه ويُجمل في الطلب.

السابع: من ثمرات اليقين: أن البلاء يصير عند من استكمل اليقين نعمة، والمحنة منحة:قال سفيان بن عيينة:'من لم يَعُدّ البلاء نعمة فليس بفقيه'[مفتاح دار السعادة 1/154] .

الثامن: مما يثمره اليقين: التوكل على الله عز وجل: ولهذا قرن الله بينه وبين الهدى، فقال:} وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا...[12]{[سورة إبراهيم] . وقال:} فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ[79]{[سورة النمل] .  والحق هنا هو اليقين- كما قال ابن القيم رحمه الله [مدارج السالكين 2/398].

التاسع من ثمراته: أنه يحمل صاحبه على مباشرة الأهوال، وركوب الأخطار: وهو يأمر بالإقدام دائماً، فإن لم يقارنه العلم؛ فربما حمل على المعاطب، والعلم من غير اليقين قد يحمل صاحبه على التأخر والنظر في حسابات كثيرة من نواحٍ متعددة، فتفوت صاحبه الفرص.[بصائر ذوي التمييز 5/400]. فإذا قارنه اليقين؛ فذاك الكمال، وقد قال الجنيد: 'قد مشى رجال باليقين على الماء' . ولما أراد سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه أن يعبر دجلة إلى المدائن، وقطع الفُرْسُ عليه الجسر، وحازوا السفن؛ نظر سعد في جيشه، فلما اطمأن إلى حالهم، اقتحم الماء، فخاض الناس معه، وعبروا النهر فما غرق منهم أحد، ولا ذهب لهم متاع، فعامت بهم الخيل وسعد يقول:' حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصُرَّنَ الله وليَّه، وليُظْهِرَنَّ الله دينه، وليهزمن الله عدوه؛ إن لم يكن في الجيش بَغْيٌ أو ذنوب تغلب الحسنات'[تاريخ الطبري2/462]. ولما نزل خالد بن الوليد رضى الله عنه الحيرة، فقيل له: احذر السم لا تسقك الأعاجم، فقال:' ائتوني به، فأُتي به، فالتهمه، واستفه، وقال: بسم الله، فما ضره'.  قال الذهبي رحمه الله:' هذه والله الكرامة وهذه الشجاعة' [سير أعلام النبلاء1/376].

فانظر إلى هذه الأمور: لو أن العبد أقدم عليها من غير حاجة، ومن غير بصر ونظر في حاله، وتوكله على الله عز وجل، وصلاح أموره، وعلاقته مع ربه؛ فإن ذلك قد يورثه الهلكة، ولو أن عبداً قَلَّ يقينه، وإيمانه، وكثرت ذنوبه، فأراد أن يُغِير على عدوه، فاقتحم الماء، ماذا تكون النتيجة المتوقعة؟ النتيجة هي: الغرق والموت والهلاك، ولكن سعدًا رضي الله عنه زمَّ هذا اليقين بالعلم، فأمر بالنظر في أحوال الجيش، فلما وجدهم على حال من التقى، وخاف أن يفوت المسلمين ذلك المقصود الكبير- وهو تلك الغنائم الهائلة العظيمة في المدائن وهي عاصمة فارس- ولم يجد شيئاً يركبه إليهم، فخشي إذا تأخر أن يذهب عنه ذلك؛ أجمع، فركب الماء، وسلمه الله عز وجل.

وانظر إلى حال علاء الدين خوارزم شاه- وهو من قادة المسلمين الكبار- كان عالماً بالفقه والأصول، محباً للعلماء، من أهل العبادة والزهد، وكان يحب أهل الدين، يقول عنه الذهبي:' أباد ملوكًا، واستولى على عدة أقاليم، وخضعت له الرقاب'. ووصفه ابن الأثير في 'الكامل' بقوله:' كان صبورا على التعب وإدمان السير، غير متنعم ولا متلذذ'. وقال عنه: إنه كان يبقى أربعة أيام على ظهر فرسٍ لا ينزل، إنما ينتقل من فرس إلى فرس- الفرس يتعب! وهو لا ينزل أربعة أيام، فإذا تعب فرس انتقل منه مباشرة إلى ظهر الفرس الآخر- وكان يطوى البلاد، ويهجم على المدينة بنفر يسير، ثم يُصَبِّحهم من عسكره عشرة آلاف، هؤلاء العشرة آلاف هم الذين سبقوا الجيش ممن يكونون من أهل النشاط والجَلَد والصبر.. يهجم على المدينة في المساء، ثم يُصَبِّحهم من جيشه عشرة آلاف، ويمُسِّيه عشرون ألفا، هؤلاء هم الذين سبقوا، ثم يأتي بقية الجيش بعد ذلك.  يقول: وإنما أخذ البلاد بالرعب، والهيبة، وكان عدد جيشه سبعمائة ألف. ما الذي جعله يفعل ذلك جميعاً؟ ما الذي جعله يركب الأهوال والأخطار، ويلقى هؤلاء الكفار في وقت قصير لا يتوقعونه، وليس معه من الجيش إلا اليسير؟!

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مناظرته المشهورة للبطائحية، وهم طائفة من الصوفية كانوا يطلون أجسامهم بطلاء معين، ثم يدخلون في النار ولا يحترفون، فأضلوا طائفة من المسلمين، ولبَّسوا عليهم حيث زعموا أن هذا من الكرامات، وأن هذا يدل على أن ما هم عليه من الباطل هو الحق، وأن الله يؤيدهم على ذلك بهذه الكرامات، فماذا صنع شيخ الإسلام رحمه الله؟! استخار ربه، واستعانه، واستنصره، واستهداه يقول:' فسلكت سبيل عباد الله في هذه المسالك حتى أُلقى في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون برداً وسلاماً على من اتبع ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وأنها تحرق أشباه الصابئة'. ولما حضر شيخ الإسلام معهم أمام السلطان، وجلس شيوخهم بين يديه، قال للسلطان:' هؤلاء يزعمون أن لهم أحوالا يدخلون بها النار، وأن أهل الشريعة- يعني: العلماء والفقهاء- لا يقدرون على ذلك، ويقولون: لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشَرع، وليس لهم أن يعترضوا علينا، بل ينبغي أن يُسَلِّمُوا لنا ما نحن فيه، سواء وافق الشرع أو خالفه'. يقول شيخ الإسلام للسلطان:' وأنا استخرت الله سبحانه أن أدخل النار إذا دخلوها، ومن احترق منا ومنهم؛ فعليه لعنة الله، وكان مغلوباً'. فاستعظم الأمير هجوم شيخ الإسلام على النار، وقبوله الدخول فيها، فقال له: أتفعل ذلك؟ يقول، فقلت:' نعم قد استخرت الله في ذلك، وألقى في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء، فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، المتبعين له باطناً وظاهراً، لحجة أو حاجة'.  شيخ الإسلام يقول: نحن لا نرى أن المؤمن يقتحم على مثل هذه الأمور التي تهلك عادة من غير مبرر شرعي. إنما يقتحم فيها في أحد حالين: إما لإقامة الحجة أنه على الحق، وإما لحاجة كما فعل سعد بن أبي وقّاص رضى الله عنه حينما ركب على الماء، يقول شيخ الإسلام:' إن هؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم، وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه؛ وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونقوم بنصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا، وجسومنا، وأموالنا، فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات'.


فانظر إلى شيخ الإسلام رحمه الله: جاء إلى السلطان، وتحداهم أن يدخل معهم في النار، فلما رأوا جزمه على ذلك أبوا، واقتنعوا، وقال كبيرهم: بل نطلب المصالحة، فطلب منهم شيخ الإسلام أن يتركوا هذه الأفعال التي تخالف الشريعة، والتي تُلَبِّس على عوام المسلمين؛ فأقروا بذلك عند الأمير، وهذا مقام لا يفعله أحد من الناس إلا من اكتمل يقينه، وكان هذا اليقين مزموماً بالعلم.

*  وأمر عاشر مما يثمره اليقين: أن اليقين إذا تزوج بالصبر فإنه يولد بينهما الإمامة في الدين: والله عز وجلّ يقول:} وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[24]{ [سورة السجدة].  فالصبر هو لقاح اليقين .[مدارج السالكين 2/196 ، الفوائد ص 199].