سلسلة المربي الأول (16):لا تعينوا عليه الشيطان

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : د. محمد بن عبدالله الدويش | المصدر : www.almurabbi.com

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أمّا بعد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب قال اضربوه قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله قال لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان (6777)

أيها الأخوة والأخوات حديثنا مع هذا الموقف النبوي ليس حديثاً عن ما يتصل  بشرب الخمر وإقامة الحد أو ما يتعلق بأحكام هذا الحد وتفاصيله إنما هو حديث حول تلك الوصية التى أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابة حين قال : "لا تعينوا عليه الشيطان " وهى وصية لأصحابه رضوان الله عليهم وللأمة من بعده وصية يتجاوز مداها ذلك الموقف الذي قيلت فيه لتكون قاعدة وشعاراً للمسلم أن يستحضر هذا المعنى أن يبتعد عن إعانة الشيطان على إخوانه المسلمين وأجدر الناس أولى الناس بذلك المربون و المعلمون والموجهون

أيها الأخوة والأخوات المربي ناصح مشفق لذا فهو حين يتعامل مع المواقف العملية التي يواجهها مع أولاده وتلامذته يقلقه ويزعجه ما يراه من خطأ و انحراف وشذوذ هو بشر لا يستطيع أن يتجرد من بشريته فقد لا يستطيع أن يحتفظ بتوازنه وقد يسيطر عليه جانب الحرص والاهتمام وقد يغضب غضباً مشروعاً غيرة لله وحمية لدين الله وحينما يغضب لا يستطيع أن يتصرف بحكمه فيقول مقالاً أو يتخذ إجراءاً يؤدى إلي نتائج تناقض ما كان يسعى إليه ويهدف له.

وسلامة النية والمقصد ونبل الإرادة ليس وحده هو المعيار الوحيد الذي نحكم من خلاله على صحة العمل وخطئه فهاهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا هذه الكلمة ولم يريدوا إلا خيراً ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الكلمة إعانة للشيطان على أخيه إن هذا يتطلب أيها الأخوة والأخوات  من المربي ألا يقف عند مجرد شعوره بسلامة موقفه وألا يعتبر مجرد وقوع المتربي بالخطأ سبباً ومبرراً لأن ينطلق مصححاً لهذا الخطأ بأي صورة أو أسلوب


إن المربي والمعلم بقدر ما يزعجه ويقلقه الخطأ والشذوذ فهو يعيش داخل كيانه يعيش مشاعر المحبة والإشفاق والحرص علي هذا المتعلم إنه يريد الخير ويريد الهداية له ومن هنا فهو يستحضر هذه النية ويستحضر هذه الإرادة في كل تصرفاته يعتبر أن هذا المعيار هو المحك الذي يقيس ويزين به تصرفاته فهل يا تري هذه  المقالة أو هذا القرار الذي سأتخذه أو هذا الموقف أو هذا الثواب أو هذه العقوبة ، هل هي ستسير في هذا الاتجاه أم ستسير بخلاف ما أريد ؟

إن إثارة هذا السؤال دوما واستحضاره عند كل موقفاً يقفه المربي سيقوده إلي أن يتجاوز كثيراً من الأخطاء التي يقع فيها حينما ينطلق من دافع وواقع عاطفته فحسب

إن المربي بشر ، قد يغضب ويأخذ في الحوار والجدل مع تلميذه فيدخل دائرة العناد ويتجاوز وظيفته في الحوار والإقناع والعناد يقود الطرف الأخر إلى أن يرتكب الأمر نفسه فيعاند والأغلب عند المتعلم أنه أكثر جرأة على اتخاذ مواقف يمليها عليه عناده فكثير منهم صغير أو مراهق لا يدرك عواقب الأمور فحين يدخل الطرفان دائرة العناد سنتوقع من هذا الطالب والتلميذ تصرفات مواقف قد تكون أسوء من ذلك الموقف الذي سعينا إلي علاجه فيكون هذا من باب إعانة الشيطان عليه

أيضا حينما يغضب التلميذ لا ينبغي أن نرضخ لغضبه نعم ولا ينبغي أن نستجيب لغضبه نعم لكننا ينبغي أيضا أن نقدر انه في حالة  غضب  إننا نستطيع أن نؤخر كثيراً مما نريد أن نقوله إلي حين يهدأ ويتجاوز غضبه فيستطيع أن يفكر بهدوء وأن يزن مقاله وحينما نوجه له توجيه أو أمراً وهو في حالة غضب فقد يقوده ذلك إلي مقالة قد تخرجه من الدين أو مقالة قد تجلب عليه وزراً وعاراً أو يقوده إلي تصرفاً سيندم عليه حينئذ ولهذا لما رأي النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يستبان وأحدهم قد غضب وبلغ به الغضب كل مبلغ لم يخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم إنما اكتفي بإشارة لأصحابه قائلاً إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"

إن النبي صلى الله عليه وسلم هاهنا يعلم أنه لو خاطب هذا الرجل خطاباً مباشراً وأمره أن يقول "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لكن في هذا إعانة للشيطان عليه فيقوده ذلك إلي أن يرد أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أعظم من تركه الاستعاذة في موقف الغضب

أيها الأخوة والأخوات

حين نوقظ أبنائنا للصلاة كثير ما نجد منهم تكاسلا و تلاكا في الاستيقاظ  قد ناما متأخراً أو هكذا طبيعيتهم وبالذات من يعيش في سن المراهقة فهو بحاجة لقدر أكبر من النوم والراحة فيتساكلون  ويتباطئون وقد يقود هذا الأب إلي أن يرفع صوته ويغلظ عليه فيرد عليه بالمثل وهو يحمل استعداد للعناد والمواجهة فربما أصر وبما تأخر بعضهم عمداً عن الانصراف للصلاة معاندة وأخير قد يقود ذلك إلي أن تكون ساعة إيقاظه للصلاة ساعة غير محببة لديه وهذا بلا شك لا يخدم في تحقيق الاتجاه الإيجابي وتحقيق الرغبة الوجدانية نحوه في الصلاة

من ذلك أيضا أن نؤجله للكذب أو المعصية فهو بشر بحاجة إلي أن نفتح له المخارج بحاجة إلي أن نغض الطرف .

إن حشره في زاوية محدودة ضيقة قد يقوده إلي أن يكذب وقد يقوده إلي أن يرتكب مخالفات قد تكون أسوء مما أردنا علاجه ومن إعانة الشيطان عليه المبالغة في العقوبة فنتجاوز الحد الشرعي أو الحد الذي ينبغي أن يوجه لمثل هذا العمل إن لم يكن لهذه العقوبة أمراً شرعي ومن ذالك أيضاً إظهار التشفي في العقوبة فالعقوبة وسيلة  من وسائل التربية وحين يعاقب الأب أو المعلم ينبغي أن يحتفظ هدوءه وتوازنه ويبتعد عن الألفاظ الجارحة والقاسية التي تعطي رسالة لهذا المعاقب أننا نريد التشفي منه فيكون ذالك إعانة للشيطان عليه

نكتفي بهذا القدر ونسأل الله عز وجل أن يصلح لنا ولكم الأزواج والذرية ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمام هذا والله أعلم وصلي الله وسلم علي نبينا محمد.