اغتنم فرصتك في رمضان

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : خباب الحمد | المصدر : www.islamway.com

حدَّثني أحد الإخوة الدعاة الفضلاء عن قصَّة شاب لم يبلغ السابعة عشرة من عمره، وكان يجري همُّ الدعوة في قلبه في كل وقت، وحين يقدم شهر رمضان كان يتهيَّأ له بالصالحات والبر والطاعات، ومن ذلك أنَّه كان يقف في نهار رمضان قبل أن يفطر الناس بربع ساعة على جانب الطريق، ثمَّ يذهب إلى مكان اصطفاف الناس وازدحامهم بسياراتهم عند الإشارات المروريَّة المتوقفة بضع دقائق، ويقوم بتوزيع الإفطار لأولئك الصائمين في سياراتهم مما تيسر من الرطب والكعك، ويرفق ذلك بمطويات دعويَّة ونشرات توجيهيَّة تحث على نشر الدين والفضيلة ومكارم الأخلاق، بابتسامة مشرقة، ووجه مضيء بالإيمان ـ نحسبه كذلك ـ وقد بقي على ذلك عدَّة سنوات يقوم بهذا العمل الفضيل. 

وأثناء قيامه بهذا العمل كعادته في أحد الأيَّام، جاءت سيَّارة مسرعة عند تلك الإشارة، وقد كان واقفاً قربها فاصطدمت به فأرْدَتْه قتيلاً مضرَّجاً بدمائه، وهو صائم لله عزَّ وجل، يقوم بتفطير الصوام، وإدخال السرور عليهم وعلى أولادهم، ويدعوهم إلى الله تعالى فهنيئاً له عمله ذلك، وتقبَّله الله تعالى في جنانه. 

لقد أثَّرت هذه القصَّة في نفسي كثيراً، وتذكَّرت حين سمعتها ذلك الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ : «إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله، قيل: "كيف يستعمله؟" قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه» [الراوي: أنس بن مالك - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع].

ولو قارنَّا بين ذلك الشاب الداعية ـ رحمة الله عليه ـ وبين كثير من المسلمين في شتَّى البقاع الذين يمر عليهم رمضان تلو رمضان، دون أن يغتنموا فيه تلك الفرص الجليلة التي قلَّما أن تجتمع بشهر كما اجتمعت في هذا الشهر، لوجدنا بينه وبينهم بوناً شاسعاً وفرقاً هائلاً فيمن يغتنم وقته بالطاعات ومن يغتنمه بالموبقات! 

ولو أردنا أن نحرِّك أفكارنا، و نستخدم أذهاننا لالتقاط تلك الفرص والمغانم والمكاسب والثروات التي نستطيع أن نجنيها أو أن نبذرها في هذا الشهر ـ لطال بنا المقام، ولأدركنا قيمة هذا الشهر العظيم وما فيه من خيرات وبركات تنهال علينا ونحن عنها غافلون. 

ففي هذا الشهر نستطيع أن نفعِّل الكثير من المشاريع الدعوية والأفكار الإصلاحيَّة، ونبذر الأعمال الصالحة، وننتهج سبل أهل الخير والسبق في استغلال الأوقات الفضيلة بما يفيد أمَّتنا ومجتمعنا. 

• لماذا رمضان فرصة؟
لو تفكَّر كل واحد منَّا في طبيعة حياته ومسيرة أوقاته، فسيدرك أنَّنا نعيش كل ثانية وكل دقيقة بفرصٍ وأنفاسٍ لن تعود، وأنَّ هذه الأيام التي نقطعها ونفرح بها لبلوغ غاية أو لنيل مقصدٍ محبَّبٍ للنفس، ستؤول في النهاية إلى النقصان من العمر، سواء شعرنا أم لم نشعر، وحينها لا مناص ولا فرار من الله إلاَّ إليه، لاغتنام هذه الأوقات بالنافع المفيد، وترك اللهو واللعب والأوقات الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل قد تجلب الحسرة والمرارة التي تعتصر قلب المرء، يوم أن يقول لربه: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} [سورة المؤمنون: 99-100].

إنَّ من أعظم الفرص بل هي الجامعة لكل الفرص التي نجتنيها ونكتسبها في شهر رمضان؛ فرصة العبوديَّة لله والقيام بحقِّه، والتوجه والافتقار إليه والانطراح بين يديه، فهي الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، وجميع الفرص الأخرى متفرِّعة عن هذا الأصل العظيم الذي تندرج وتصب فيه كل أعمالنا وعباداتنا ومعاملاتنا. 

• اغتنم فرصك واكتسبها:
يختلف الذين يستقبلون شهر رمضان، ولهم في ذلك طرق مختلفة ومتنوعة؛ فمنهم من يستقبله باللهو واللعب، ومنهم من يستقبله بالأكل والشرب، ومنهم من يستقبله بالنوم ومنهم من يستقبله ببرمجة وقته لمشاهدة البرامج والمسلسلات عبر شاشة الرائي (التلفاز)، إلى غير ذلك من أنواع الاستقبال. 

وذلك هو استقبال المفرِّطين الذين لم يدركوا حقيقة فضائل هذا الشهر، ومنافع أيامه، وفوائد لياليه، وعظمة شعيرته. 

غير أنَّ المؤمن السبَّاق لعمل الصالحات؛ فإنَّه يستقبله بالمسارعة إلى عمل الخيرات، وتجنُّب المنكرات، متمثِّلاً قول الله تبارك وتعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران: 133].

والمسابق لعمل الخيرات واقتناص الفرص، شيمته التطلُّع والترقب لكل فرص الخير وغنائم البر ومعارج القبول ليتقرب بها إلى ربِّ العالمين، ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، وخوفاً من أليم عقابه. 

والمسابق لعمل الخيرات يعلم يقيناً أنَّ الله ـ تعالى ـ حثَّ عباده على المسارعة والمسابقة لعمل الخيرات، كما قال عز وجل: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} [سورة البقرة: 148]، وقال عزَّ وجل: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [سورة الجمعة: 9]، ولكنه في أمور الدنيا يعلم أنَّ مسارعته فيها والمسابقة لطلبها تخالف المنهج القرآني الذي قال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} [سورة الملك: 15]، وقال: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [سورة القصص: 77]، فهو يلحظ أنَّ الأمر أتى بالمسارعة في عمل الخير وتطلب البر لنيل ثواب الآخرة، وأمَّا الدنيا فلا مسارعة في ابتغائها ولا مسابقة في تطلب متعها الزائلة، ولهذا نجده سبحانه وتعالى حث على المسارعة في الآخرة، والسعي لذكر الله تعالى، وأمَّا في الدنيا فقال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ} [سورة الملك: 15]، وفرق كبير بين المسارعة والمسابقة وبين المشي، ولهذا جعل سبحانه وتعالى أصل عمل العبد في نيل ثواب الآخرة والسعي لتطلُّب الأجر من الله، ولكن في أمور الدنيا قال تعالى: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [سورة القصص: 77]. 

وحين نرجع البصر متأمِّلين في هذه الآيات نجد أنَّ طلب الدنيا استخدم معه المشي، لأنَّ طلب الإنسان للدنيا غريزة في النفس؛ والغرائز لا تحتاج لتكليف أو تشويف، بينما السعي للآخرة تكليف فاقتضى طلب المسارعة، فالإنسان لا يحتاج لدفع كي يحرص على طلب الدنيا بخلاف العمل الصالح.

فما أجدرنا بالقيام بحق الله تعالى لاغتنام هذه الفرص الرمضانية، والمنح الربانيَّة، والعطايا السخيَّة التي اجتمعت لنا لكي نقوم بها في هذا الشهر العظيم. 

• مقترحات عمليَّة لاغتنام الفرص الرمضانيَّة:
وبما أنَّ الفرص كثيرة والمغانم في هذا الشهر غزيرة، فحريٌّ بالعبد المؤمن أن يسعى لاكتسابها ويحاول تطبيقها؛ ليخرج من العيش في ظلاله بنتيجة ترضيه حين يراها في صحائف أعماله، {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة النور: 24].

وإنَّ من هذه الفرص الجليلة: 
• (العطاء): فهذا الشهر يعطينا فرصاً كثيرة للعطاء وتقديم الخير للناس، وإكرامهم وإسبال الجود عليهم، من قبيل: تفطير الصوَّام، والتصدق بالمال، وتعليم الناس العلم، والسعي في خدمة المحتاجين والمكروبين، وهو فرصة لكي يحرص روَّاد وقوَّاد العمل الخيري في شهر رمضان على مزيد من العطاء، وبذل الإيجابيَّة الفعَّالة في أوساط الناس. 

• (العمل): فشهر رمضان يعطيك دفعة حركيَّة، ووقوداً حيوياً، وطاقة مستمرة في العمل، فأنت في هذا الشهر تصلي لله تعالى القيام وصلاة التراويح، وأنت في هذا الشهر تتصدق، وكان صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجاهدون فيه لإعلاء كلمة الله، فهو كذلك فرصة للمجاهدين في جميع بلاد المسلمين المحتلَّة ليستثمروا طاقاتهم للمقاومة والجهاد للكفار، ونصرة الإسلام والمسلمين. 

• (الإنجاز): فمن صام شهر رمضان كاملاً فقد أنجز إقامة هذا المشروع الكبير على أتم ما يرام، وهو بهذا يعطيك دفعة روحيَّة لإنجاز أعمالك والتمرن عليها، وترك التسويف والتسويغ غير اللائق، الذي لن يجني المرء منه سوى الهم والغم. 

• (التنظيم): من يتأمَّل هذا الشهر الكريم يجد دقَّة التنظيم، فلا يدخل وقت في وقت، فللصيام وقت، وللإفطار وقت، وهو بهذا يكسبك دفعة إلى الأمام لكي تُحسِن استغلال وقتك بالنافع المفيد، وتحاول تنظيم وقتك وساعاتك لكي تقوم بالعمل وتنجزه على قدم وساق. 

• (الدعوة): فالناس يكونون في هذا الشهر راغبين في كل خير، كما أنَّه في هذا الشهر تصفَّد الشياطين، وتكون فيه القلوب إلى الخير أقرب، فهي فرصتك لكي تدعو أقاربك وأرحامك وجيرانك، فهذا الشهر فرصة دعويَّة يستغل الداعية فيه جميع إمكاناته لنشر دعوة الإسلام لدعوة من يستطيع دعوته من الأمَّة المسلمة. 

• (التكافل الاجتماعي): هذا الشهر الكريم فرصة ذهبيَّة لبر لوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الإخوان، وحمل هموم الأمَّة المسلمة بالقيام بأداء حقوقها؛ فيتفقَّد المحتاجين والمعوزين والفقراء والمساكين، ويقوم بخدمتهم وأداء حقوقهم، ويتعاون مع الجمعيات الخيريَّة ويدلها على الفقراء والمساكين والذين لا يسألون الناس إلحافاً، وكذلك يقوم بإخراج الزكاة إنَّ حان موعدها في هذا الشهر الكريم، ويصرفها في أهلها الذين يستحقونها، ويشعر بشعور الضعفاء والفقراء، ويحاول قدر الإمكان أن يقدم لهم خدماته، والله عزَّ وجل سيجزيه خير الجزاء. 

• (تقوية الإرادة): فهي فرصة عظيمة لمبتغي الخير في هذا الشهر الفضيل، يستطيع من خلالها أن يستثمر روح الإرادة التي جعلته يصوم نهار رمضان كاملاً، ومن كان كذلك فهو يستطيع أن يقلع عن التدخين، وعن شرب المخدرات والمسكرات المحرمة، في هذا الشهر وغيره من الشهور، ويسيطر على شهواته ونزواته وأهوائه ورغباته التي تحول بينه وبين إرادته وعزيمته، وصدق الشيخ مصطفى السباعي إذ قال: "الصيام رجولة مستعلنة، وإرادة مستعلية" (أحكام الصيام وفلسفته: ص89). 

• (تنظيم الغذاء وتخفيف الوزن): فرمضان فرصة وقائيَّة وعلاجيَّة لمن يودُّون الاعتناء بترتيب غذائهم وتنظيمه، ومحاولة التخفيف من الأكل والشرب الذي هو في أصله مصلحة للجسم، ولكن إذا زاد عن حده انقلب سوءاً ومفسدة على النفس وإضراراً بها، فيفسد من خلاله الروح والبدن. 

• (كسب التائبين): من المعلوم أنَّ الشياطين في شهر رمضان تصفَّد، فيا حبَّذا استغلال إقبال القلوب على الخير والعبادة، فهناك كثير من التائبين يعلنون توبتهم، ويقلعون عن ذنوبهم ومعاصيهم، فهو فرصة للمربين لكي يبذلوا طاقاتهم في تربية هذه النفوس المقبلة على العبادة، وإفادتها ببرنامح تربوي لتقوية الإيمان وأواصر الخير في القلوب الكسيرة التائبة. 

• (مجازاة النفس): في هذا الشهر فرصة كبيرة لمجازاة النفس إن خيراً فخير، وإن شراً فعقوبة لها تردعها عن مطالبها الأمَّارة بالسوء، ولهذا كان العيد مكافأة لمن أحسن في هذا الشهر العظيم، وأمَّا من يسيء فيه فإنَّه ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ومن خلاله نستطيع أن نلزم أنفسنا الخير. وأمَّا إن تمرَّدت، فإنَّنا نمنعها ونحرمها من مبتغياتها لكي تكون لنا عوناً على الطاعة. 

• (التحفيز): فهذا الشهر يحفِّز النفوس المؤمنة ويفجِّر الطاقات الكامنة في النفوس للعمل لما يرضي الله ـ تبارك وتعالى ـ ففيه تحفيز لمجاهدة النفس، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث القدسي: «يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي» [رواه البخاري]، كما أنَّ في كل ليلة فيه عتقاء، وذلك بسبب صيامهم وتقواهم لله ـ عزَّ وجل ـ فهذا التحفيز الكبير للقلوب سبب رئيس في الاستمرار بالصيام والقيام، فإنَّ «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخاري]، فأي أجر وأي تحفيز أعظم من هذا؟! 

• (التعلق بالمساجد): نستطيع في هذا الشهر العظيم تعويد أنفسنا لأن تتعلق بالمساجد، لكي نكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه، ومن ذلك: انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فيصلي أحدنا المغرب ويبقى جالساً لانتظار صلاة العشاء وينال فضيلة الرباط في طاعة الله، ومن ذلك: قراءة القرآن والذكر والقيام فيه، والاعتكاف في المساجد في العشر الأواخر؛ للخلوة برب العالمين، وسؤاله الهداية، ومناجاته في هذه الأوقات لعلَّه يفتح على من دعاه فتوح العارفين، ويقيه من نار الجحيم، ويدخله جنة النعيم.

• (استغفار الأسحار): فرمضان فرصة للاستغفار في وقت فضيل يكون أكثر المسلمين عنه غافلين، وهو وقت السحر، وخصوصاً أنَّ هذا الوقت هو وقت سحوره وطعامه قبل أن يبدأ الصيام مع طلوع الفجر، فهذه الفرصة غنيمة باردة، ينبغي للعبد المؤمن أن يقتنصها للاستغفار في هذا الوقت الفضيل الذي يتنزَّل فيه رب العالمين، ليغتنم العبد فرصته، ويكتسب غنائم الأجر في هذا الوقت، ولقد ذكر الله من صفات المؤمنين في محكم التنزيل حيث قال: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [سورة آل عمران: 17]، وقال:{وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [سورة الذاريات: 18].

• (توبة في رمضان): في هذا الشهر تتنزل رحمات الله، ويعتق سبحانه كثيراً من عباده من النار ـ أعاذنا الله منها ـ فهو فرصة للعصاة والمذنبين والمقصرين في حقوق الله ـ وكلنا ذاك الرجل ـ للبداية بصفحة جديدة مع الله، وتوبة صادقة إليه، وإقلاع عن الذنوب والمعاصي والآثام. 

• (مراجعة القرآن) شهر رمضان فرصة لمن تفلَّت عليه حفظ القرآن، ليقوم بمراجعته آناء الليل وأطراف النهار، وليقوم به الليل، ويقرأه متدبراً لما فيه من أحكام ومعانٍ، وقد كان حال سلفنا الصالح عجباً في تأمل القرآن وختمه في هذا الشهر العظيم. 

• (عمرة فيه تعدل حجة): من محاسن هذا الشهر أنَّ فيه فرصة عظيمة للمعتمرين ففي الصحيحين عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنَّه قال: «عمرة في رمضان تقضي حجة معي» [رواه البخاري]، فيا فوز وسعادة من فاز بأجر حجَّة في شهر رمضان إذا أدَّى العمرة خالصاً لوجه الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

• (كسب المسلمين الجدد): في شهر رمضان فرصة سانحة لدعوة غير المسلمين وتأليف قلوبهم، وإشعارهم بعظمة هذا الدين، وصحَّة شريعته وبطلان الشرائع الأخرى، وقد شهد الكثير من الدعاة أنَّ أكثر وقت يُسلِم فيه غير المسلمين هو شهر رمضان، لما يرونه من تميّز في هذه الشعيرة العظيمة، ومن سموِّ أحكامها وفضائلها، وتفاعل المسلمين معها. 

• (تنقية القلوب): في هذا الشهر العظيم أيضاً فرصة لتجديد العلاقات الأخوية، وإعادة صلة ما قطعه القريب مع أقاربه بسبب خلاف أو شجار، فيستعيذ بالله من الشيطان، ويجعل قلبه سليماً، لا غلَّ فيه ولا حقد ولا حسد، ويجدد علاقاته مع أقاربه وأرحامه وخلاَّنه على ميزان الشريعة، مع القيام بالحقوق التي افترضها الله من حقوق المسلم على المسلم، كما أنَّ من المهم استغلال هذا الشهر الكريم للإصلاح بين القلوب المتشاحنة، والأفئدة المتباغضة، ففي هذا أجر عظيم وفضل كبير كما هو معلوم.

• (طيب الكلام): في رمضان فرصة كبيرة لكي يتعلم المسلم ويعتاد على النطق بالألفاظ الطيبة، وترك الألفاظ القبيحة والإقلاع عنها ، وعدم مبادلة الأسوأ بالأسوأ، وإنَّما بالأحسن والتغافل عن أخطاء الآخرين فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: «إني امرؤ صائم» [رواه البخاري] كما وجَّه بذلك الحبيب ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ. 

• (التجديد والتغيير) فهذا الشهر الكريم فرصة مباركة ويانعة، لمن يريد تجديد الإيمان، والتغيير إلى الأفضل، وهو نقطة انطلاقة عمليَّة لإزالة الران عن القلوب بسبب تراكم الذنوب، وهو فرصة لتطوير النفس والرقي بها بما يرضي ربَّها سبحانه وتعالى، لتدرك يقيناً أنَّها قد غيَّرت فعلياً من مجرى حياتها إلى ما كانت تتوق إليه وتتمنَّى تطبيقه. 

• (الصبر): يستطيع المرء من خلال هذا الشهر أن يتعلم في دورة مكثَّفة معانيَ الصبر الثلاثة، من الصبر على طاعة الله في صيام رمضان، ومن الصبر عن معاصي الله بالإقلاع عن قبيح القول والكلام وكل ما لا يرضي الله في هذا الشهر الكريم، ومن الصبر على ما قدَّر الله وقضاه من فرض صيام هذا الشهر الكريم بالكمال والتمام، ورضي الله عن الأحنف بن قيس الذي قيل له: "إنَّك شيخ كبير وإنَّ الصيام يضعفك" فقال: "إني أعده لسفر طويل، والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه". 

• (قلَّة الاستهلاك): من فوائد هذا الشهر التقليل من المطاعم والمشارب، لا كما يفعله كثير من الناس ، حيث يجلبون جميع الأشكال والألوان من المطاعم، وكأنَّه شهر أكل وشرب، بيد أنَّ حقيقته التقليل من الأكل والشرب، والأخذ بمبدأ الاقتصاد في الطعام والشراب بلا شح وبخل ولا إسراف ومخيلة، بل يكون وسطاً بين ذلك، لكي يكون الاستهلاك فيه مقنَّنا، وليس كل ما يشتهيه المرء يشتريه. 

• (تربية الأولاد): فالأب المربي والأم المربية يستطيعان من خلال هذا الشهر بثَّ الفضائل في قلوب أولادهم، وهجر الرذائل، وتحبيب الصيام والقيام والقرآن لهم، بشتَّى الأشكال، وأنواع التشويقات، وما أحلاها من جلسة يجمع فيها الأب أولاده قبل الإفطار بنصف ساعة، ويلقي عليهم درساً مَّما يعلمه أو حتَّى من كتاب ميسَّر، ويشرح لهم ما لا يعلمونه، ثمَّ قبيل الأذان يرفع يديه هو وأولاده بالدعاء والتضرع وقرع أبواب السماء بجميع الأدعية المأثورة والطيبة. 

• (الدعاء) من أفضل الأوقات التي يشعر فيها قلب المؤمن بالطمأنينة والسعادة ساعات المناجاة لله رب العالمين، وخصوصاً في شهر رمضان الذي جاءت آية الدعاء من بين الآيات الحاثَّة على صيام هذا الشهر العظيم، تذكيراً بأهميَّته في هذا الشهر، فيتوجب على المسلم ألاَّ ينسى نفسه وإخوانه المسلمين من دعوة صالحة صادقة يقوم بها داعياً ربَّ العباد، لعلَّ الله ـ تعالى ـ أن يفرج عنه وعن جميع المسلمين همومهم وكروبهم. 

• (الدخول إلى الجنَّة): فهذا الشهر الفضيل فرصة للصوَّام للدخول إلى الجنان، ولا ريب أنَّ للصائمين إيماناً واحتساباً باباً يدخلونه إلى الجنَّة وهو باب الريَّان، كما أنَّ الأجر العظيم ينتظرهم يوم القيامة، فإنَّ الصوم لله وهو سبحانه وتعالى سيجزي عباده الصائمين الأجر الكبير. 

• (شكر الله): في هذا الشهر فرصة لشكر الله تعالى، وخصوصاً إذا أطاع العبد ربه، واجتنب معاصيه وما يسخطه، فيحمد العبد ربَّه شاكراً له من قلبه وبلسانه وبأفعاله على أن منَّ عليه بتلك الفضائل وجنَّبه الرذائل، كما قال تعالى: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة البقرة: 185]. 

وأخيراً: فهذه فرص تلمَّستها بعد تأمُّل ذهني، أقدِّمها لإخواني المسلمين طيبةً جاهزةً، راجياً الله أن يقوموا بالتقاطها والقيام بها وأدائها، وعَلِمَ الله الذي لا إله إلاَّ هو ، ما من شهرٍ يمر على المسلمين أفضل أجراً ولا أعلى ذكراً ولا أكثر قرباً لقلوب المسلمين من هذا الشهر العظيم؛ الذي تفتَّح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران، فهنيئاً لمن استغله بالطاعات، ويا لخسارة من فرَّط فيه، وأضاع حقوقه وواجباته ومقاصده. 

لقد جمع هذا الشهر جميع ألوان العبادة، وشتَّى أشكال الروحانيَّة والتقرب إلى الله، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
 
 
كتب أ.خبَّاب بن مروان الحمد* 
ـــــــــــــــ
• باحث وداعية فلسطيني.